الأطراف الصناعية .... أمل جديد لحياة مفقودة في غزة
تاريخ النشر : 2014-11-22 04:56

غزة/نوى/ ابتسام مهدي

بين ليلة وضحاها، أصبحت فتحية سعيد قعيدة كرسي متحرك، لتنضم إلى أعداد كبيرة من المعاقين/ات الذين خلفهم العدوان الإسرائيلي المتتالي في السنوات الأخيرة على قطاع غزة.

 سعيد التي عليها أن تواجه واقعًا غير مألوف، وتتدرب على الحياة وفق مفرداته الجديدة، تقول" كل أحلامي انتهت؛ عندما أصبحت معاقة". ولكن ما لبثت أن أدركت الأمل، عندما أخبرتها صديقتها أن بإمكانها أن تضع قدم اصطناعي, وتعود بمساعدته إلى ممارسة حياتها اليومية.

تجلس فتحية سعيد( 45 عاما ) على جهاز التدريب داخل غرفة ممتلئة بالمراجعين، معظمهم رجال، اصبحوا مثلها معاقين جسديا، وتقول لنوى التي قابلتها هناك" أصيبتُ بقذيفة خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وتسببت في بتر قدمي اليمين مما جعلني استخدم كرسي متحرك, وتقول:" بعد إصابتي شعرت بأنني فقدت كل شيء, فلن أستطيع أن اهتم بأبنائي الخمسة أو أنجز أعمالي المنزلية التي تعودت على القيام بها منذ زواجي في عمر 23 عاما".

ليس من السهل خروج فتحية بالكرسي المتحرك لوحدها، بل عليها الانتظار فترة طويلة لتجد من يقلها ويتابعها حتي ركوب السيارة, هذه المشقة التي تكابدها دفعتها إلى التفكير بقوة في تركيب قدم اصطناعي لتقلل من الاعتماد على الآخرين.

على عكس فتحية، فإن منال حمد التي أصيبت في عدوان 2008 بشظايا صاروخ تسبب في بتر يدها، متخوفة من تركيب يدٍ اصطناعية, وتقول:" تركيب الطرف ليس بالأمر السهل، كما أن عائلتي ترفض، وغير مشجعة لي أن أذهب للمركز، وتتحجج بحجج غير مقنعة, في الوقت الذي استطاع ابن عمي المصاب أصيب في الاستهداف ذاته، أن يركب طرفًا قبل سنوات طويلة ويعيش الآن حياته الطبيعية".

في مركز للأطراف الصناعية" التابع لبلدية غزة تجدد الأمل في ذات فتحية، وأشخاص آخرين فقدوا أطرافهم في معارك الحياة، إلا أنهم لم يفقدوا الابتسامة والتفاؤل اللذين كانا يرتسمان على ملامحهم رغم أجسادهم المبتورة، ولديهم إصرار على مواصلة الحياة ولو بطرف اصطناعي.

رئيس قسم الأطراف الصناعية بالمركز نبيل فرح أكد على مساهمة المركز في تخفيف آلام ومعاناة المعاقين حركياً من كلا الجنسين وبالمجان، مشيرًا أن المركز مجهز بأحدث التقنيات الطبية، ويقوم بتصنيع وتجهيز الأطراف الصناعية المتنوعة، وأجهزة شلل وتآكل مفصل الحوض، وأجهزة مساعدة لتقوس وتقويم الساقين، وسواند بلاستيكية مختلفة، وأجهزة تقويم العمود الفقري، بالإضافة إلى صيانة وتصليح عشرات الأجهزة والأطراف الصناعية.

بين أن المركز يتعامل مع كافة أنواع البتر، ونجح الفنيون في إحراز تقدم في حالات البتر المبتدئ بالحوض والتي تعتبر من ناحية فنية معقدة، كما أنتج أول طرف من هذا النوع، ونتائجه كانت جيدةة، ولديه القدرة على العناية بجميع مشاكل الأطفال الحركية.

وقال فرح" يتعامل المركز مع خمسة آلاف حالة كانت قبل العدوان الأخير على غزة منهم، مرضى السكر وضغط الدم وتصلب الشرايين، وضحايا حوادث الطرق، وجرحى الانتفاضة والاقتحامات الإسرائيلية والقصف الإسرائيلي"، مشيرا إلى أن العدد تضاعف بعد العدوان الأخير على غزة، ويتوقع أن يحتاج أكثر من 250 شخص لأطراف صناعية, كذلك يوجد أكثر من 1800 شخص حاليا يحتاجون لعناية خاصة ومتابعة المركز.

أخصائية العلاج الطبيعي بالمركز أماني حداد" قالت أن المركز يقدم خدمات لكلا الجنسين, ولكن اقبال الذكور أكبر من الإناث،  مفسرة كونهم أسهل في الوصول إلى لمركز، و اهتمام العائلات أكثر بالذكور من الإناث بتركيب الطرف الصناعي, مشيرة ان تركيب الأطراف الصناعية تمر بعدة مراحل.

من جانبها أشارت الأخصائية النفسية فداء عمر أن غزة تعرضت في السنوات الست الماضية إلى ثلاث حروب أدت إلى وقوع الآلاف من القتلى والجرحى، من بينهم ما لا يقل عن 600 شخص أصبحوا في عداد ذوي الاحتياجات الخاصة بعد أن تعرضوا لبتر أجزاء من أطرافهم.

قالت:"إن هؤلاء المصابين بحاجة لرعاية خاصة في المستشفيات وفي المنازل، وبعضهم بحاجة لعمليات جراحية أخرى وإعادة تأهيل من خلال تمارين لتقوية عضلاتهم بهدف تركيب أطراف صناعية لهم، هذا امر صعب جدا لدي النساء كون عضلاتهن تحتاج للكثير من التقوية بالإضافة تحسين نفسيتها". منوهةً إلى أن أي شخص مصاب ببتر فوق مفصل اليد أو القدم فإن إمكانية تركيب طرف صناعي له في غزة أمر مستحيل، وسيكونون بحاجة لمستشفيات متطورة خارج القطاع لتركيب هذه النوعية من الأطراف, ومن الصعب على النساء الذهاب للخارج لذلك أكثر المستفيدين هم من الرجال .

بحسب فرح فإن المركز ينتج خمسة عشر إلى عشرين طرفا شهريا، يتم تمويلها من وكالة الغوث للاجئين حيث تغطي 50 % من تكلفة الطرف بشرط ألا تتعدى تكلفته 500 دولار , متابعا:" هنالك برامج تمويل دولية ومحلية كالإغاثة الإسلامية التي تغطي تكلفة الطرف بالكامل، ومؤسسة "الهاندي كابت انتر ناشونال"، وغيرها.

وعن المعيقات، التي تواجههم، قال فرح :"لمشكلة الوحيدة التي تواجهنا هي إيجاد المواد وتوصيلها إلى المركز, بسبب  الحصار المفروض على القطاع، الذي يعرقل وصول هذه الاحتياجات من ألمانيا إلى " تل ابيب" ثم تنقل بوساطة الصليب الأحمر الى قطاع غزة  بعد عملية تنسيق طويلة وشاقة قد تصل إلى ستة شهور".

أضاف :" ولكن الآن وبسبب الضغط علينا بدأنا نتحدث مع مؤسسات دولية أخرى علّها تتمكن من تقصير المدة إلى عشرين يوماً حتى لا يأخذ التنسيق وقت طويل في ظل الاحتياج الكبير".

انتهى منذ أكثر من شهرين العداون الاسرائيلي على غزة، الذي استمر مدة  51 يوما، تسببت باستشهاد 2148 فلسطينيا، وإصابة 11 ألف آخرين، وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، التي يؤكد الناطق باسمها أشرف القدرة، أنه من الصعب الحديث عن أي رقم لمن أصابتهم الحرب باعاقات دائمة. مؤكدًا أن الأمر يحتاج ربما لأشهر، للخروج بإحصائية نهائية، لافتا إلى أن الأرقام الأولية تتحدث عن مئات مبتوري الأطراف.

وذكر القدرة أن مركز الأطراف الصناعية يبتع لبلدية غزة مؤقتا، إلى حين الانتهاء من أعمال البناء لمستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية ليتم تسليمه بعد ذلك للمستشفى ويدمج تحت اطار وزرة الصحة وذلك خلال عام على أكثر تقدير .