غزة- نوى- ولاء فروانة
" لم نعد نتحمل البقاء هنا، فلنعد إلى بيتنا، متى يا أمي ..." سؤال لم تجد أنغام الجمّال،40 عامًا، اجابة له، عندما يوجهه لها أبناؤها، تكتفي بالدموع التي تحاول أن تخفيها عنهم، وتتهرب من الاجابة بانشغالها بأي شيء.
تقيم الجمّال وأطفالها في غرفة "صف دراسي" في إحدى المدارس" مراكز الإيواء" منذ أن هدمت الطائرات الإسرائيلية منزلها في الشجاعية خلال العدوان على غزة 2014.
المعاناة تتضاعف!
وتصف الجمّال لمراسلة نوى كيف تقضي يومها -داخل صف يأوي أكثر من 20 فردا، يستخدم للنوم وللأكل وللحمام والغسيل في آن واحد. وتقول" نجد صعوبة في أبسط الأشياء هنا، فمثلًا :عندما يريد أحدنا قضاء حاجته، عليه أن ينزل من الطابق الرابع إلى الأرضي، فما بالك لو كان في الليل، أو أن يقوم بتعبئة سطل المياه، ورفعه للأعلى لجلي الأواني أو الغسيل أو الاستحمام".
وتضيف" قبل يومين حُرقت يد ابنتي من الشاي فالمكان ضيق جدًا, وابني المصاب بالعدوان تزداد حالته سوءًا، فهو لم يشف من جراحه، وطفلي الذي لم يتجاوز 3 أشهر الذي وضعته في الحرب يعاني من العديد من الأمراض في الدم، وزوجي يعاني من مشاكل في عضلة القلب، كل هؤلاء يحتاجون إلى رعاية خاصة، لا استطيع توفيرها هنا في "مركز الإيواء".
هذا الملخص هو القليل مما ذكرته الجمّال من معاناة، والعديد من الأسر الذين باتوا بلا مأوى ينتظرون الشروع في الاعمار وإعادة بناء البيت الذي تهدّم.
تقول الجمّال:" لم أفرح على بيتي بعد, فقد انتهى زوجي من تشطيبه مؤخراً, وجهزه بالعديد من الأجهزة الكهربائية التي لم أستخدمها، متى سنعيد بنائه من جديد؟". سؤال لا يمتلك احد في غزة الإجابة عليه" تضيف" لا تفكروا خلصت الحرب ,معاناتنا كل يوم تزداد وشعورنا بالذل والمهانة يتضاعف ولا أحد يهتم".
"انحرمنا من كل شيء"
الحال ذاته تصفه المشردة فاتن أبو زيد 33عاماً، من غزة، أم لستة أطفال," كنا عايشين مستورين وبعد ما انقصف البيت ما في مكان نقعد فيه غير المدرسة, زوجي يعاني من أزمة صدرية وغدة سرطانيه "، بيتي كان بسيط وإيجار لكن أفضل من هنا، كان بيسترنا".
تتابع أبو زيد" تُسَلِمنا وكالة الغوث وجبة واحدة يوميًا من المعلبات، فأضطر أحيانًا كثيرة إلى بيع بعضها لتوفير مواصلات المدرسة لأطفالي، فهي بعيدة عنهم وفي أيام الشتاء لا يستطيعون الوصول إليها" وتضيف بنظرة انكسار موجعة" ساق الله على مطبخي وبيتي، والسفرة إلي كنت أعدها لأولادي، انحرمنا من كل شيء بنحبه وبيحبوه".
وتقيم أبو زيد في صف دراسي تتشاركه و خمس عائلات، تم تقسيمه إلى أجزاء لقضاء حاجتهم من غسيل واستحمام وأكل ونوم , فيما تتمدد على الأرض بعض من الفرشات غير المريحة التي لا تصلح للجلوس، وبعض الأغطية التي لا تقي برد الشتاء.
تشعر أبو زيد بالقلق على مستقبل أطفالها، خاصة مع تراجع مستوى تحصيلهم العلمي بسبب الظروف التي تعيشها، تقول "يعيش أطفالي حالة نفسية صعبة، حيث يتعرضون للإهانة في مدرستهم من زملائهم، لأنهم لا يرتدون الزي المدرسي مثلهم، عدا علاماتهم الصفّية المتدنية"، وتضيف" كنت ببيتنا اهتم فيهم أكثر، وأراجع معهم دروسهم، أما هنا فلا أستطيع".
ولسوء أوضاع أم محمد المقيمة وأسرتها في مركز إيواء، اضطرت إلى فصل ابنتها من الروضه، بعد عجزها عن دفع أقساطها.
تنشغل أم محمد في خياطة كنزه شتوية مرقعة لابنها، تقيه برد الشتاء، وتقول" أحاول تدبر أمري يوميًا فما اجمعه من الأموال من المساعدات، أسدد به ديوني، ولم استطع دفع أقساط الروضة لابنتي، لذا حُرٍمت هذا العام منها".
سؤال الاعمار والعودة إلى البيت، سؤال الصغار والكبار في مراكز الإيواء، فالحياة هناك لم تعد حياة لأسر تخشى ان تخسر مستقبل أبنائها إذا ما بقيت الأوضاع على حالها.
تقول أم محمد بنبرة ألم وحسرة" كنا بنقول بتسترنا حيطان الدار، بس الحين لا في دار ولا حيطان، والله اعلم إذا في اعمار، بتمنى على المسؤولين يحسوا فينا، تعبنا".
حررته: م.ج
