عرفات: حارس الحلم وفارس الأمل الفلسطيني
تاريخ النشر : 2014-11-13 13:34

بقلم: د. عبد المجيد سويلم

"فارس الأمل" هو عنوان رواية للروائي البرازيلي الكبير جورج أمادو الذي خلّد فيها القائد الشيوعي البرازيلي لويس كارلوس برستس المناضل العنيد والزعيم المحنك الذي دافع عن فقراء "القارة" البرازيلية في أحلك سنوات كفاحه التحرري من هيمنة أنظمة الظلام الاستبدادية والاستباحة الأميركية لشعوب أميركا اللاتينية ومن ضمنها الشعب البرازيلي.
لم تكتب بعد الرواية الفلسطينية التي تليق بزعيم وطني لشعب من أعرق شعوب الأرض، ولقضيةٍ هي بكل تأكيد أعدل قضايا العصر.
عندما نتحدث عن كتابة الرواية والتي لا تكتب أبداً في غضون عدة سنوات من حدث بحجم اغتيال عرفات، وبحجم بطولته وفراسته وحنكته وأحلامه، وبحجم تعلق الشعب الفلسطيني به كرمز للصمود والإصرار والإرادة والقدرة على السير بين نقاط المطر... إلاّ أن الرواية عن عرفات الرمز والأسطورة والمثل والدلالة، عرفات الثبات والبصيرة السياسية، عرفات، الذي بحث عن كل فلسطيني في هذه الأرض ليضمه إلى مسيرة الكفاح الوطني، عرفات الذي أقام مع الناس أقوى العلاقات الإنسانية... إن هذه الرواية أصبحت ملحة وضرورة إبداعية وثقافية وسياسية بأعلى درجات الراهنية.
الرواية التي تغيب عن المكتبة الفلسطينية هي رواية عرفات عن شخص ربط حياته بقضيته حتى الانصهار وكثف حياته في لحظة عشق وإيمان بقدرة شعبه على مواجهة المستحيل.
عرفات الذي كان يفيض بالطاقة ويزخر بالتفاصيل، المتوثب دائماً من أجل وطنه، الهادئ في أشد لحظات الغضب والصابر في أحلك الليالي وأشدها ظلمة ووحشة، كان يقوى دائماً على التلخيص والاستخلاص بما يشبه وبما يوحي بعبقرية الناسك وبساطته.
عرفات عرف دائماً طبيعة شعبه وطبائعه، وتعرف على كل أنواع ملماته ومشكلاته، وخبر الكامن في نفوس الفلسطينيين وفي روحهم.
عرفات كان الأقرب إليهم ولذلك فإنهم كانوا الأقرب إليه والأعز على قلبه.
رواية عرفات هي نفسها رواية الشعب الفلسطيني منذ عشرينيات القرن الماضي، ورواية عرفات هي رواية التيه الفلسطيني ورواية الضياع والإلحاق والوصاية ثم الانبعاث الوطني الجديد وتجديد مشروعه التحرري المعاصر.
طبعاً، كتبت عشرات الروايات التي تحكي وتسرد مسيرة الكفاح الوطني ورحلة البحث عن الهوية، ثم الانتفاض من بين الركام، لكن الطابع الأسطوري لدور عرفات لم يكتب في رواية متكاملة، مع أن الشعر الفلسطيني كان بما ينطوي عليه الشعر من قدرة على الاستجابة المباشرة للأحداث يعوض عن غياب الرواية.
صحيح أن الرواية لا تكون رواية في الحالة الفلسطينية وفي مركزية العرفاتية في هذه الحالة إلاّ عندما تسرد حالة التحول الثوري في الواقع الفلسطيني لكن الرواية بهذا المعنى ما زالت تعيش مرحلة المراقبة والشهادة على تتالي الملحمة الوطنية دون الوصول إلى نتائج حاسمة.
أيكون لحالة الاستعصاء القائمة (حالة ما قبل الانتصار) أو حالة الصعود الأخير على قمة التلة التي تؤدي إلى رؤية المشهد كاملاً ومجسداً هو ما يؤجل مشروع هذه الرواية؟
ربما، وربما أيضاً أن شعور الفلسطيني بالإقدام على مساومة سياسية دون أن يقطف ثمراً ملموساً مقابلها حتى الآن هو ما يمنع انبلاج الرواية عن عرفات من بين كل ضباب هذه المرحلة.
الروائي الفلسطيني وربما العربي أيضاً ما زال متشككا في جدوى الكفاح الفلسطيني في العقدين الأخيرين من زاوية الأسلوب والمنهج السياسي، كأنه لا يزال ينتظر شيئاً ما ليعود إلى عرفات الأسطورة في الفصل الأخير من حياته.
حصار عرفات ثم اغتياله لا يجب ولا يجوز أن يحجب عن الروائي رؤية هذه البطولة وهذه الملحمية في حياة هذا الزعيم، ولا يجدر به إخضاع هذه البطولة لاعتبارات اللحظة السياسية ونتائجها.
صحيح أن الشعب الفلسطيني بأغلبيته المطلقة قد بدأ عملياً الفصل بين المسألتين، وذلك عبر تحويل ذكرى غيابه إلى حالة وطنية شديدة الحميمية، إلاّ أن المثقف والإبداعي وخصوصاً في حقل الرواية تحديداً ما زال في موقف الذي يبحث فيه عن "إنجاز" سياسي لكي يعيد لعرفات دور البطولة المطلق في الحكاية الوطنية الفلسطينية...!!
على مدى أكثر من أربعين عاماً لم يحدث أن ارتبط اسم زعيم وتحول إلى أحد مرادفات وطنه كما حصل في الحالة الفلسطينية من التباس ملحمي بين الزعيم والوطن.
لقد ارتبط اسم مانديلا بجنوب إفريقيا وارتبط اسم مصر بعبد الناصر لكن حالة الالتباس الملحمي بين الزعيم ووطنه هي حالة ملحمية وبطولية في الحالة الفلسطينية كما لم تحدث أبداً في التاريخ المعاصر لثورات التحرر الوطني والكفاح من أجل الحرية.
وأكثر ما يدل اليوم في الوعي الشعبي الفلسطيني على انعدام الوطنية والافتقاد إليها، بل والحرب عليها، هو ما تم من تفجير "لمنصة عرفات" في غزة. أن تكون منصة إحياء الذكرى العاشرة هدفاً للتفجير في هذه اللحظة السياسية الفارقة هو أكبر "اعتراف" من أعداء الوطنية الفلسطينية بهذه القامة الوطنية وبقيمة هذا الزعيم.
وعرفات كان بطلاً في حياته وبطلاً في طريقة موته وهو البطل الفلسطيني المطلق بعد عقد كامل من غيابه.
اللحظة السياسية صعبة وقاسية ولكن بطولية عرفات وملحميته أكبر بكثير من اللحظات ذلك لأنها بطولة شعب وبطولة كفاح وطني وملحمة ملتهبة في كل اللحظات.