على جانبي "الخط الأخضر" : ليس مجرد رد فعل !!
تاريخ النشر : 2014-11-12 16:25

لن يجد من يصغي إلى ما يقول، رغم أنه متخصص وصاحب تجربة عريقة في الأمن والاستخبارات، وهو كمن يغرد خارج سرب الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو، ورغم أنه وزير للعلوم في هذه الحكومة، ورغم خبرته الأمنية، فإنه ما زال أبعد من أن يقدر النوايا الحقيقية وراء التصعيد الخطير في القدس المحتلة وعموم اراضي 1948، خاصة في الجليل ـ والمثلث. إنه يعقوب بيري، رئيس "الشاباك" السابق لسبعة أعوام (1989 ـ 1995)، يبدو أن بيري كان العاقل الوحيد وسط هذه الطغمة العنصرية الفاشية، إنه يعلم مصلحة إسرائيل الحقيقية والضمانات الأكيدة لحمايتها ولعدم تحولها إلى دولة هامشية بفعل السعار الذي انتاب قياداتها السياسية والأمنية.
"إسرائيل تفقد السيطرة وعليها العمل على إعادة الهدوء بكل الوسائل، وعلى المتظاهرين والمحتجين الذهاب إلى مناطق السلطة بعيداً عن إسرائيل" هذا هو موقف بنيامين تنياهو من الوضع المتفجر على جانبي الخط الأخضر، بينما نادى البعض الآخر في حكومته "بوقف عمل السيارات في القدس" منعاً لدهس المستوطنين، في حين دعا البعض الآخر، الى وضع حد لأعمال العرب في الميدان، ولا ضرورة أن يصل أحد إلى المحاكم، أي أن الضوء الأخضر المعلن ـ هذه المرة ـ للقتل الموجّه للعرب، بات سياسة إسرائيلية واضحة، مع أن هذه السياسة التي منحت للشرطة وقوات الأمن والجيش، كانت متبعة منذ وقت طويل، فمنذ عام 2000 وحتى الآن، قتل من العرب على يد الأمن الإسرائيلي داخل الخط الأخضر 23 فلسطينياً، ولم يقدم للمحاكمة من ضباط وجنود الأمن سوى خمسة فقط، واحد منهم تم اتهامه وحبسه مع وقف التنفيذ!!
حاول نتنياهو أن يظهر وكأنه يريد أن يهدئ الأمور، مؤكداً للأردن وللرأي العام على أنه مصر على عدم تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف، وباع للمشترين الكثر هذا الوعد وهذا التعهد، في حين أن "الوضع القائم الآن" هو غير الوضع القائم لمدينة القدس تحديداً عام 1967، الوضع القائم تغير كثيراً منذ ذلك الوقت، ليس فقط حين ضمت إسرائيل المدينة رسمياً إليها وأعلنتها عاصمة موحدة للدولة، ولكن بتكريس واقع جديد، يجعل من إسرائيل هي التي تحدد كيفية القيام بالمناسك الدينية لدى المسلمين، كما أنها سمحت لعتاة المتدينين بتدنيس المسجد وما حوله، باعتبار ذلك أمراً من أمور السيادة، ناهيك عن الإجراءات التعسفية التي اتخذتها الدولة العبرية من خلال بلدية القدس المحتلة للتضييق على المسجد الأقصى وإقامة الحفريات التي تهدد بسقوطه بين لحظة وأخرى، فما هي حقيقة "الوضع القائم" بعد كل هذا الاقتحام الممنهج للحقوق الفلسطينية في عاصمته ومقدساته الإسلامية والمسيحية.
ما يجري على جانبي الخط الأخضر، لم يعد مجرد فعل ورد فعل، بقدر ما هو جزء من المخطط الإسرائيلي الهادف إلى ترحيل عرب 1948، وتطبيق القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية المحتلة، وبالتالي فان ما يجري الآن من تصعيد اسرائيلي خطير والمترافق مع جملة من التهديدات الموازية لأعمال القتل المتواصل ضد المواطنين العرب، ما هو إلاّ جوهر هذا المخطط الرامي إلى ضم الضفة الغربية وإخضاعها للأمر الواقع باعتبارها لم تعد "مناطق مدارة" تخضع للحاكم العسكري، بل تخضع للقوانين الإسرائيلية التي تسري على كافة مناطق الدولة العبرية، إلاّ أن مشروع القرار الذي رفعته حكومة نتنياهو للتصويت عليه بالقراءات الثلاث لإقراره من الكنيست، لم يكن واضحاً فيما إذا كان القانون الإسرائيلي سيكون مقتصراً على المستوطنات والمستوطنين، أو عموم الضفة الغربية، إلا أن خلق وقائع جديدة تصبح أمراً مفروضاً على الفلسطينيين كما على المجتمع الدولي، بات هو الهدف الأساسي من موجة السعار الجاري على جانبي الخط الأخضر.
وفي هذا السياق، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً من وراء هذا السعار الإسرائيلي، هو طرح مسألة "عرب إسرائيل" على خارطة المفاوضات المحتملة والقاضية بترحيلهم إلى مناطق ما تبقى من الضفة الغربية، وربما تبادل أراض، مناطق في الجليل مقابل مستوطنات الضفة المحتلة بما فيها القدس، تصريح وزير الخارجية الإسرائيلية ليبرمان بهذا الصدد كان صارخاً وصادماً في آن، إذ انه يرى أن منطقة المثلث في الداخل الفلسطيني هي "جزء من الدولة الفلسطينية، هذه المناطق تعيش مشاكل ليست منا أو لنا، هم هنا وهم هناك" والعبارة الأخيرة مستقاة من شعار رفعه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، اسحق رابين، عندما وضع خطة لفصل إسرائيل عن الضفة الغربية وقطاع غزة في اطار تبادل أراض.
وبالعودة إلى رؤية يعقوب بيري، فقد باتت الصورة أكثر وضوحاً، فهو يدعو إلى تبني إسرائيل للمبادرة العربية والدعوة إلى حل إقليمي يشمل المنطقة بما فيها الجانب الفلسطيني، وهي دعوة ليست جديدة لرئيس "الشاباك" السابق، لكن طرحها مجدداً، في ظل هذا السعار على جانبي الخط الأخضر من قبل حكومة نتنياهو، يشير إلى أنه لا يعيش واقع حكومة هو أحد وزرائها، صوت أكثر عقلانية يتوه وسط أدوات القتل الإسرائيلية التي تطارد كل ما هو فلسطيني ما زال متمسكاً بحقوقه وأرضه ووطنه!!