بقلم: هاني حبيب
وكأنها تصل إلى منطقة عاشت فيها، هكذا تصرفت "سيدة أوروبا الأولى" فيديركا موغيريني وهي تتجول في مناطق الدمار والإيواء في مدينة غزة، وربما شعرت هذه السيدة أن دراساتها المستفيضة حول منطقة الشرق الأوسط، قد أسهمت في شعورها هذا، ذلك أن موغيريني تخصصت في دراسة "الإسلام والسياسة" ونالت الدكتوراه وفقاً لهذه الدراسة، وربما شعرت السيدة الشابة (41 عاماً) أن سلسلة النجاحات المتتابعة التي حققتها في دراستها الأكاديمية والمهنية، تجعلها أكثر ثقة بنفسها بالنجاح في منطقة بالغة الحساسية، أكثر مما كانت عليه من سبقتها في هذا المنصب، السيدة اشتون.
لكن سيدة أوروبا الأولى، تعاني من عدم الاستقرار الوظيفي، فقد تم تعيينها كوزيرة لخارجية بلادها إيطاليا، قبل ثمانية أشهر فقط، وبالكاد أمسكت بمقاليد الأمور، حتى تم ترشيحها ثم تنصيبها كمفوضة خارجية للاتحاد الأوروبي، لكي تكون "أول" في كثير من النواحي، فهي ممثلة ليسار بلادها، كأول يسار يصل إلى قيادة خارجية أوروبا الموحدة، وهي أصغر قيادي في الاتحاد الأوروبي بعدما كانت أصغر عمراً من أي وزير آخر في حكومة بلادها، لكنها كانت ثانية من حيث العمر بعد رئيس حكومتها الذي يعتبر أصغر سناً منها، وهو ما دفعها إلى القول عندما هوجمت بأنها لا تزال تحبو في عالم السياسة، من أنها لا تزال "أكبر" عمراً من رئيس حكومة بلادها.
سيدة أوروبا الأولى وهي تصل إلى المنطقة التي تعرفها، تركت خلفها مهمات كان من المفترض أن تشكل أولوية لها، وهي تتمثل في أكبر مشكلة تواجه الاتحاد الأوروبي منذ قيامه، وهي مشكلة أوكرانيا وعلاقة الاتحاد مع الاتحاد الروسي، جاءت إلى غزة لتقول إن المشكلة الفلسطينية لا تزال تتربع على قائمة أولويات الاتحاد الأوروبي، وأن لا حل لهذه المسألة إلاّ من خلال قيام دولة فلسطينية من خلال المفاوضات، لكن سيدة أوروبا الأولى، اليسارية والشابة، لا بد لها من أن تدرك، أن هناك عاملين أساسيين، يمكن في حال توفرهما الوصول إلى مثل هذه الحلول، الأول يتعلق بتغيير ـ غير محتمل راهناً ـ في المشروع الصهيوني ـ الإسرائيلي، الذي يعتبر الاستيطان هو البديل الواقعي عن كل الحلول ومن خلال فرض الأمر الواقع على الجانب الفلسطيني، أما العامل الثاني، فيتعلق بانتقال الاتحاد الأوروبي، من موقع المندد والرافض للسياسات الإسرائيلية، إلى موقع القادر على الضغط على الحكومة اليمينية الفاشية برئاسة نتنياهو، باتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية ناجعة ومؤثرة. صحيح أن الاتحاد الأوروبي اتخذ بعضاً من هذه الإجراءات، كتلك المتعلقة بحظر استيراد منتجات المستوطنات، وكذلك فيما يتعلق بحظر التعامل مع الجامعة التي أقامها المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة، ورغم أن هذه الإجراءات فعالة وضاغطة إلاّ أنها لا تزال غير كافية وهي من دون شك أقل من إمكانيات وقدرات الاتحاد الأوروبي على الضغط.
حسب موغيريني، فإن العودة إلى المفاوضات هي الحل، وهذا صحيح نسبياً، ذلك أن الأمر لا يتعلق بالمفاوضات من دون أن تكون هناك معطيات تؤدي إلى نجاح هذه المفاوضات، هناك محاولات جدية بذلت من خلال الرعاية الأميركية لهذا الملف إلاّ أن عدم تحلي الراعي الأميركي، وكذلك الأوروبي، بالشجاعة لتحميل الجانب الإسرائيلي فشل هذه العملية التفاوضية، شجع الجانب الإسرائيلي على المضي قدماً في خططه الاستيطانية وبحيث باتت الدعوة إلى المفاوضات، وكأنها شكل من أشكال التغطية على الاستيطان والتهويد والتهجير وهي العناوين الأساسية للسياسة الإسرائيلية الحالية.
مطلوب من سيدة أوروبا الأولى، عدم الوقوف عند العبارات التي باتت تشكل السياسة الأوروبية التقليدية، بالحديث عن المفاوضات، عليها أن تكف عن تكرار كلمات وعبارات السيدة أشتون، تعبيراً عن سياسة عاجزة غير قادرة على التعرف على الملابسات والمشكلات، أو على الأصح التهرب منها. السيدة موغيريني، خبرت من خلال تجربتها في نضالها السياسي، ووقوفها إلى جانب المضطهدين خاصة إزاء ملف الهجرة، عليها أن تترجم ما آمنت به إلى واقع، خاصة وهي تدرك بعين الخبير، واقع هذه المنطقة الحساسة من العالم على ضوء استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
وإذا ما كان لنا من قول، أو نصيحة للسيدة موغيريني، فإن بإمكان الاتحاد الأوروبي أن يلعب دوراً مركزياً وأساسياً في التوصل إلى حل سلمي لملف الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وذلك باتخاذ خطوات جدية لدعم خارطة الطريق التي اعتمدها الرئيس أبو مازن تعويضاً عن إفشال إسرائيل للعملية التفاوضية، تلك الخارطة التي تتمحور حول التوجه إلى مجلس الأمن من أجل اتخاذ قرار يؤيد المشروع الفلسطيني، بإنهاء الاحتلال وفقاً لبرنامج زمني محدد، هذا هو الخيار الوحيد، الذي من شأنه أن يصل بنا إلى مفاوضات جدية تتكلل بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وإذا لم تتوفر هذه السياسة لدى الاتحاد الأوروبي، فإن السيدة الشابة، ستصل إلى عمر السيدة أشتون من دون أن تصل ونصل إلى الحل المنشود!!
