ويبقى عنوانا للثورة والحياة
تاريخ النشر : 2014-11-09 14:32

لا تقترب من وجه المخيم في ساعات الذروة لن تجد متسعا من المساحة لتتفحصه فالعيون ستتفحصك أولا.. ستداري كل عيوبك وميكرفونك وجريدتك وكل شيء وتنحني خجلا من نظراتهم.. سيسألون عنك وعن عملك وعن مكانك ولماذا تمر بمخيمهم في هذا الوقت ولا تلقي السلام .!! ستحتار هل تشيح بنظرك وهم يتفحصونك أم تلقي التحية حتى على الرجال منهم فعيونهم تسأل وملامحهم تسأل بفضول.!! حاول ألا تحمل شيئا في يدك سيخترقونه بتكهناتهم !!

حاول أن تزور المخيم في صباح باكر لكن ربما بعد خروج أبنائهم الى المدارس.. سوف ترى جيدا حينها الطريق الذي تمشي عليه مزيج من الرمل والأسفلت والرصيف.!! قد لا تفهم جيدا لماذا يرفع بعضهم بعض البلاطات المرصوفة بجوار البيت ليزرع حشيشا في مسافة ضيقة؟ وقد يثير تأملك تلك الأبواب العجيبة بعضها خشبي مهترئ يحمل عدة ألوان أكلها الصدأ وبعضها حديدي مهترىء أيضا يعلوه الوهن، بعضها مكتوب على وجهها اسم اهل الدار وبعضها شعارات كانت في زمن الانتفاضة.. حبال الغسيل تنتشر كحبل سري بين أبواب البيوت وحيطانها، قد تتوه في مداخل البيوت فبعضها بالكاد يداري سوأة أهل البيت وبعضها هو جزء من الشارع.. يتعبك أحيانا تراكض الصغار حولك حتى في وقت مبكر ومن يعرف بضع كلمات باللغة الإنجليزية يخاطبك بـ..هاالووكأنك أجنبي ثوبك يختلف عن ثوبهم..!!

الأسطح أيضا واهنة بعضها اصبح على شكل عمارة لكنه يحمل ثوب المخيم وبعضها ظل بكرميد أو ألواح الزينكو.. تتأمل وجه البيوت فتشعر بمسحة الحزن تعلو الحجارة لكنهم لا يكترثون كثيرا بك .. يلقون عليك نظرة متفحصة وحسب يثير فضولهم ان شيئا جديدا قد يمر بيومهم.. تشعر بالمخيم انك في بيت كبير متعدد الغرف بعضها يصلح للسكن والاغلب بالكاد يمكنه ان يستر سكانه.. النساء عالم آخر.. في الصباح الباكر تجدهن يهمسن لبعضهن البعض وهن منشغلات بنشر الغسيل أو بطي الملابس أو في البحث عن منفذ آخر لحياة أخرى.. النساء مكتفيات بالأمل وحث أبناءهن على التعلم والدراسة وكأنهن يردن حمايتهن من الوجع المستقبلي... الصبايا يخرجن متلفعات بالأمل والشوق لرؤية العالم.. المخيم دافئ رغم برودة الشتاء ..

الأزقة ضيقة جدا تتسربل منها مياه الامطار كالنهر الصغير.. الأزقة فقيرة كفقر أصحابها جدرانها موشحة بالخربشات من كل أطفال المخيم يرسمون عليها أحلامهم ينحتون وجهها الخشن فتتألق أعينهم كأنها ادمانهم على عشق المخيم!! يكبرون ويسافرون ويظل المخيم يعيش في أفئدتهم.. يتألقون في حياتهم رغم أنهم عانوا شظف العيش بين أروقته الفقيرة.. غني بالقلوب العامرة والوجوه المرهقة .. انتظروا كثيرا.. بعضهم ظل يراوح مكانه وظل متفرجا على ما يصنعه الكبار ..!! المخيم عالم ملئ بالوجع والحلم والصبر والترقب.. المطبات تملأالمكان.. الدكان الصغير يحمي بعض سكانه من التسول.. والشبابيك مرصعة بالعرق.. بعضها من الخشب وبعضها من البلاستيك وبعضها عار من أي شيء.. لا ستائر تتدلى ولا أنتيكات .. الإضاءة تجدها على باب الدار وقد غطاها أهلها بعلبة بلاستيك كي يحموها من الأمطار.. وحين ينقطع التيار الكهربائي تسمع ضجيج البيوت وكأنها عائلة واحدة.. تسير على مهل كي لا تقع في حفرة أو يصفعك مطب أو تدوس على هرة تهرول مسرعة.. تحاول ان تنير أي شيء معك فتسمع قهقهة الصغار على سذاجتك.. تمشي على مهل حيث يكمل الرجال الذين يتسامرون شرب قهوتهم ويصمتون ليسمعوا وقع خطوات الزائر عليهم.. تشعر برؤوس تتحرك أحيانا من النوافذ العالية.. تجد التكاتكوالموتسيكلات تصطف بجوار بعض البيوت مصدر عيش جديد.. طيلة اليوم حتى وانت جالس في وسط بيوت المخيم تسمع صباح مساء رجلا ينادي.. كنايف كنايف .. تحاول ان تطمئن نفسك انه يبيع الكنافة ولا شيء آخر.. وفي وقت مختلف ينادي صوت آخر ..عوجة..عوجة (خبز محلى بالشيكولاتة) ..يبدو ان لديه من يشتري فهو يمر كل يوم .. تسمع صوت الموسيقى فيميز اهل المخيم أنه من يأخذ جرار الغاز.. وموسيقى أخرى يصاحبها صوت المنبه .. تبيع الماء المفلتر. .الكل يعتمد على تنقية المياه فلا ماء نقي مجانا.!! أحيانا تسمع أصوات متداخلة كلها أصوت ذكورية .. كرابيج حلب .. عوامة ..شيبسي.. بسطة هنا وأخرى هناك الكل يبيع والكل يسترزق..

كل شيء قابل للبيع ولعمل مشروع صغير .. الشباب يبحثون عن عمل كريم شريف يقيهمالعوز.. في المخيم يجدون رزقهم بشواكل معدودة يعودون في منتصف الليل وعرقهم معهم لكنهم راضون عن انفسهم فهم لم يبيعوا أو يشتروا في الوطن بل ضحوا لأجله ولازالوا ..

المخيم لعنة الفقراء على الأغنياء اعتباطا.. المخيم سيبقى أيقونة الثورة وعنوانا للقضية... المخيم من سيعيد للوطن كرامته.

*اعلامية وباحثة