أرسل لي طلب صداقة مشفوعا برسالة يقول فيها: كنّا زملاء دراسة في الصف الثاني الإبتدائي!! ما يعني اننا كنا في عمر السابعة! يا الهي! لم أتذكر الزميل زهير نصّار. وأجبته بأنّ له ذاكرة شابة. ردّ: لا كل ما في الأمر أنك كنت الوحيدة من " أهل الدور"، وكنا جميعنا من اهل المخيم!
جاء زهير الى لبنان لزيارة اقاربه في مخيم برج البراجنة .. زرته.. ووجدت نفسي في حي الكويكات، ومحاطة بعدد من " الكويكاتيين"! بعض النسوة عرفنني، وتذكرتُ أنا بعضهن. اقتربت مني قريبة زهير وقالت: هل تذكرتني؟ لا، أجبتها. بدأت تسرد بعض الأحداث.. ولم أتذكرها. فضحكت وخبأت جزءا من وجهها بطرف منديلها وقالت: من أسقطك في انتخابات اتحاد المرأة في مخيم برج البراجنة؟! وانفجرنا بضحكة طويلة.
كنت آنذاك في السادسة عشرة من عمري! ترشحتُ مثل مجموعة من الفتيات، لعضوية اتحاد المرأة.. كنّا إحدى وعشرين فتاة. وهو العدد المطلوب للاتحاد! لكنها الديمقراطية العربية، تصرّ على اجراء الانتخابات.
في اليوم المحدد تجمهرت الفتيات والمرأة المسؤولة التي كانت من عائلة معروفة.. وكنّ جميعهن من لون سياسي واحد.. باستثناء حضرتي وفتاة اخرى كانت تكبرني سنا.. كنا من لون سياسي مغاير.
كانت الانتخابات بإشراف أحد رجالات الدولة، اسمه بهجت عيسى وكان صديقا حميما لأبي. وقد جلس داخل المسجد، الى جانب صندوق الاقتراع.
إطلالتي خلقت نوعا من الإرباك والحركة الغربية، دار الهمس والغمز واللمز.. أفواه تقترب من آذان مجاورة، فتسمع الهمسات والوشوشات والنظرات المريبة.. شعرت باضطراب وبعض الخوف! لكني لم أتوقع أن يحدث لي ما حدث! أصبحت حركات النسوة والأطفال تشي بشيء يُحضّر.. مع ذلك لم آبه للأمر! فأنا بين شعبي وناسي! فكرت أن أدخل المسجد وأقف الى جانب صديق ابي الذي كان يدبُّ الرعب في قلوب أعتى الرجال.. لثوان قليلة فكرت: هل أحتمي برجل بالسلطة خوفا من شعبي؟ وهل اصبح هو ملاذي منهم؟ صرخة في داخلي قالت: لا!
في ثواني التشوش هذه.. تجمهر الاطفال وانهارت الحجارة فوق رأسي.. كانت عملية رجم مرعبة.. فاضطررت للهرب.. تبعتني الأيادي الصغيرة بالرجم.. خرجت من المخيم مهرولة .. تودّعني الحجارة!
في المدرسة صباح اليوم التالي.. جاء احد اساتذة المدرسة ضاحكا وقال: نعيما.. مبروك "القتْله".
تذكرنا الحادثة بكل تفاصيلها، وبكثير من الضحك، لكن في حينها لم تكن كذلك! أخبرتني زهر تلك المرأة اللطيفة.. أن بعد عملية فراري هيّص الجمع.. وصفقوا: لقد أسقطنا حنان بكير.. أسقطناها، كانت هي من ضمنهم! اعتذرت مني وقالت: لقد كنا صغارا وفعلنا ما طُلب منّا! لا تواخذيني.. والله زيارتك لنا الآن بتِسْوى كل الدنيا. جاءني اعتذار بعد خمسين سنة!
في أول اجتماع لنا في بيت السيدة التي من عائلة معروفة، جلسنا ننتظر اكتمال النصاب. بعد قرابة الساعة.. جاءت إحدى الفتيات من داخل المنزل.. تفرُك يديها وقالت: ستنا الجلي نظيف والغسيل عالحبال! ثم جلست. دقائق وخرجت الينا فتاة ثانية قد أنهت لفّ ورق العنب، وثالثة دخلت وهي تنزل أكمام فستانها ولم تقل ماذا أنجزت.. فاكتمل النصاب!! اعتذرتُ وانسحبتُ!!
لم أُردْ الإساءة لأحد! إنها تفصيل في ذاكرة.
اعتذار متأخر
تاريخ النشر : 2014-11-02 15:21
