أزمتنا الجنسية
تاريخ النشر : 2014-11-01 21:45

بقلم - مصطفى السعيد

نتجاهل الأزمة الجنسية الحادة التي نعيشها، فهي جزء من المسكوت عنه، اما لخجلنا أو جهلنا أو ضعفنا، لكن الأزمة تصر على التعبير عن نفسها، وتوجه لنا الصفعات بين الحين والآخر، بحوادث تحرش، ونسب مشاهدة هي الأعلى في العالم للمواقع والأفلام الجنسية، واقبال منقطع النظير على أفلام "المنظر" التافهة، لمجرد وجود مشهد "ساخن" أو رقصة "خليعة" وعلاقات غير سوية على شبكات التواصل، لاقامة علاقات افتراضية، تخفف من وطأة غياب العلاقات الواقعية.

وقائع كثيرة، وحاودث مفزعة، تهزنا في حياتنا اليومية، كي نفيق من غفلتنا من أزمة، لا تقل خطورة عن الفقر والبطالة.

تتراوح فترة الكبت الجنسي لدى الشباب ما بين 15 و20 عاما، تشكل معظم فترة توهجهم الجنسي، فتتزوج الفتاة قرب الثلاثين عاما، والشباب قرب الأربعين عاما، وعندما يتزوجون يكونوا محملين بارث فترة الكبت الطويلة، فتدمغ علاقتهما بالفتور والقصور، لتلقي ظلالا قاتمة على حياتهما الزوجية.

المشكلة الأكبر هي أننا لا ندرك، أو ربما نتجاهل السبل الملتوية التي نتعامل بها مع المشكلة الخطيرة، ففي الطبقات الوسطى يتم فرض رقابة صارمة على الفتاة، وعادة ما يتم اقناعها، طواعية أو قسرا بارتداء الحجاب أو النقاب، وزيادة جرعة التدين، واقامة الحوائط المانعة للاختلاط بين الجنسين، من مقاعد الدراسة الى عربات المترو الى الكثير من الأماكن العامة والخاصة، الى جانب الاستمرار في اجراء جراحات ختان الاناث، للقضاء أو الحد من استثارتهن الجنسية، أي بقتل رغباتهن الطبيعية. وبرغم كل حملات التوعية بخطورته وتداعياته، الا أنه مستمر في معظم الطبقات، لأنه سيشكل حماية من الانحراف المتربص بالبنت، وكلما زادت فترة الكبت وتفاقمت حدته، زدنا من جرعة التدين بكل أشكاله، ولا يتم التطرق الى الكلام في الجنس الا بوصفه رذيلة وشرا مستطيرا، والحاحه على أذهان الشباب (وهو شيء طبيعي جدا) نعتبره وسوسة من السيطان، فنزيد من الاستغفار، وربما لجأنا الى درجات من أعمال الشعوذة لابعاد الشياطين الموسوسة بالرذيلة.

هنا يكون الخطاب الديني هو الدرع الواقي لنا من السقوط في الخطيئة، وندفع أبناءنا الى حضور الدروس الدينية في المساجد، أو اكثار مشاهدة القنوات الدينية، لنطمئن من أنهم سينجون من طريق الانحلال، ويسيرون على الطريق القويم.

على الجانب الآخر فان الجماعات المتطرفة قد تمكنت من حل الأزمة الجنسية، فهي تجتذب الشباب من الجنسين، وتزوجهم عرفيا (بدون مأذون أو عقد زواج مسجل) وتطلقهم عرفيا أيضا، وتجري طقوس الزواج في مراسم بسيطة غير مكلفة، ويسكن الزوجان في أي مكان متاح، واذا ما تفاقمت بينهما الخلافات، يجري الطلاق بنفس السلاسة، والسعي لتزويج كل منها بآخرين.

ان معظم أعضاء الجماعات المتطرفة يتمتعون بحرية جنسية أوسع بكثير من معظم طبقات مجتمعنا المتزمت، ولهذا فهم قادرون على اجتذاب الشباب، بحل مشكلة الجنس في الدنيا والآخرة، وهذه من احدى أهم مظاهر القوة في هذه الجماعات.

وهكذا نجد أننا سقطنا بين الخطاب الديني المتزمت، والآخر المتطرف، لكي ننجو بأبنائنا، خاصة الفتيات من السقوط في علاقة جنسية غير شرعية.

لا تتوقف خطورة الأزمة الجنسية عند هذا الحد، فهي تدمغ المجتمع بالكآبة والأمراض النفسية، خاصة بين النساء، اللاتي يخفين الألم النفسي الناجم عن الكبت الجنسي، فيتعرضن الى تشوهات وآلام وأمراض، تستمر الى ما بعد الزواج.

ان سيكلوجية العنوسة هي الأخطر على أي مجتمع، فالشخص الذي يتعرض طويلا للحرمان، يظل محملا بالكراهية للمجتمع، وتشتد الكراهية تجاه من يتمكنون من ممارسة حياتهم الطبيعية، ويحقدون على علاقات الحب، ويصيرون أكثر تزمتا ورغبة في حرمان الاخرين مما عجزوا عن تحقيقة، فندور في دائرة مفرغة من الحرمان والتزمت والكراهية.

لا يمكن لحملة عن ضرورة خفض نفقات الزواج، أو التخلي عن بعض مظاهر البذخ في حفلات الزواج أن تحل الأزمة، ربما قد تخفف منها قليلا. ولا يمكن أن يكون تعدد الزوجات هو الحل، بأن نعطي للمرأة نصف أو ربع رجل، بدلا من العنوسة، لكنها أزمة أعمق بكثير تحتاج تغيير وحلول أعمق، تبدأ من فهمنا للأزمة، واعترافنا بأننا مجتمع مأزوم "جنسيا".