أرى مالا تراه أعينكم.. أشعر بما لم تشعره قلوبكم.. يا من تدفأون بالصوبات والمدافئ الحجرية المرصعة بالتحف.. أراهم أمامي يصحون الليل بطوله خوفا من حبات المطر.. الأسطح مهترئة بعد أن نالتها شظايا وحجارة مبان كانت بالقرب منهم.. تظنون أن آلاف البيوت تدمرت وفقد أهلها أماكنهم ودفئهم أحب أن أذكركم أن آلافا أخرى تستر عورات أهلها بالكاد.. تسقطونهم من ذاكرة سلطانكم وكأنكم لا ترونهم وهم يرتدون النايلون كي يتحركوا في بيوتهم المكشوفة.. انه الوجع المتمثل في كل دقيقة من حياتهم وليست لقطة أو صورة فنية يلهب مخيلة الشعراء والكتاب والفنانين حين تلامس وجع الصورة قلوبهم الشفافة.. لكن أنتم تعجبكم أكثر هذه الصور وتطلبون المزيد.. وخلف الصورة نحن.. جميعا نساءا ورجالا وشيوخا وأطفالا ..
ليلة الأمس لم تكف الأمطار لتقرع جدران بيوتكم وصوامعكم، لتوقظكم من قبحكم.. أدعوكم لتتركوا فراشكم الوثير ليلة واحدة وتبيتوا ليلة واحدة مع عائلة تختاروها في أي بيت في مخيمات غزة.. حاولوا ألا تلتقطوا الصور في دقائق وتركضوا خوفا أن تتبلل بدلتكم أو معطفكم الثمين.. بل اجلبوا بيجامتكم وأنصحكم أن تجلبوا كل شماسيكم فكلما فكرتم أن تتحركوا بالبيت في سويعات الليل أو النهار فهنالك أنهار من الماء تسقط على رؤوسكم وربما تجلبون دولابكم بأكمله.. سيحتفي بكم أهل البيت وإن لم تجدوا الأغطية الكافية سيجلب لكم سكان الحي كل أغطيتهم وسيسهرون على راحتكم فأنتم ضيوف.. ولستم أصحاب مكان..
هل كاف أن تشعروا أن ليلة واحدة في ليلة ماطرة تقضونها في مخيم تعايشون فيها الكم الهائل من الألم والوجع وقلة الحيلة التي يعيشها سكانها كل يوم وكل ساعة ومع كل نفس لهم في الحياة تذكرهم بيوتهم المهترئة بأنهم لازالوا يقطنوا بيتا بالكاد يحميهم ويخفي ألمهم عن عيون البشر.
سأحدثكم عن يوم واحد في ليلة ماطرة كان الكل يركض ويهرول والجميع ينادي، أواني المطبخ أصبحت المنقذ كي تتساقط فيها مياه المطر من السطح المتكسر والمتشقق بدلا من أن تملأ أركان الغرفة ولكن دون جدوى.. الأسرة والدولاب امتلأت بالمياه وشربتها الحيطان فبات مشهدها كطفل يبكي بصمت دموعه فقط تتساقط على وجنتيه دون صوت أو همسة.. فقط ملامح الحزن تضج بالحائط المتشقق بعدة ألوان فكلما تقشرت الألوان أعاد أهلها دهنها حتى انكشفت كل الطبقات فبدت كلوحات فنان عاش بعيدا عن العالم فخلق عالمه الخاص به..
الكل يحاول أن يحصل على غطاء آخر فالنوافذ متكسرة وتدخلها الريح وأحيانا يصلها المطر فتزور القاطنين من النوافذ أيضا.. صوت الأمطار مع الأسبست يوقظك إن حاولت أن تتجاهل كم المياه التي بللتك إذا انتقلت من مكانك.. تتفقد كل لحظة أغراضك وأوراقك فتكتشف أنها تبللت ولا تعرف من أين وصلتها الأمطار.. تجد نفسك مستنزفا بالركض.. في الحرب ركض كل أهل المخيم وفي المطر أيضا يركضون.. إنهم يركضون منذ أن اقتلعوا من جذورهم ومن طينة بلادهم ولازالوا يركضون بينما أنتم تنتقلون بين الدول تسوقون صورتهم الحافية العارية وتبتسمون فقد انتفخت أوداجكم وهم لازالوا بأسمالهم البالية حتى أنهم فقدوا بوصلة قراهم ولم يعودوا يملكون وقتا سوى البحث عن ثقوب أخرى في أوجاعهم علهم يشعرون بالحياة مرة أخرى.
.. المخيم لازال نابضا بالألم والحياة كل البيوت تسمع طيلة الوقت طرقا ودقا وأصوات تنادي فوق الأسطح.. تشعر بأنك تشاهد فيلما ولكنك أصبحت تعيش فيه فلا تجد شاشة ولا ريمونت أنت تراك/ ترى محياك .. ترى عيون أطفال المخيم تركض للمطر وتجري فرحا بلقائه.. فيما أهلهم يركضون في شأن آخر..!!
#المخيم_القضية
*كاتبه وباحثة
