غزة-نوى-شيرين خليفة:
انتقدت الناشطة التنموية حنان عبد الرحمن، اعتماد الكثير من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، بما فيها المؤسسات النسوية على التمويل الأجنبي، الذي يتحكم بطبيعة الحال بأجندات العمل لهذه المؤسسات، مؤكدة ضرورة وجود تعاون كافٍ من القطاع الخاص الفلسطيني، الذي تقع عليه مسئولية اجتماعية.
وأكدت عبد الرحمن وهي المديرة الإقليمية للشرق الأوسط شمال إفريقيا وآسيا في المنظمة الدولية لقانون التنمية، على أن المؤسسات النسوية تعمل في ظروف في غاية التعقيد بسبب الحصار والاعتداءات الاسرائيلية الثلاث على قطاع غزة,وكذلك الجدار الفاصل في الضفة الغربية
وشددت عبد الرحمن على أنه لم يتم حتى اللحظة التفكير بخطوات عملية يمكن اللجوء لها لتخفيف الاعتمادية الكاملة على الممول الأجنبي، سواء من خلال التوجه للقطاع الخاص، أو التفكير بالمشاريع المدرّة للدخل، يمكن أن تمتلكها المؤسسات، فتغطي جزءً من التكاليف الجارية لها.
استدامة التمويل
وأكدت أن نقاش الاستدامة في التنمية والاستدامة في التمويل للمؤسسات، موضوعاً كبيراً وشائكاً، مضيفة أنه من الضروري منحه مساحة كافية من النقاش والتفكير سواء في فلسطين وخارجها من اجل الخروج بتوصيات بهذا الشأن.
وأعربت عبد الرحمن عن أسفها أن النقاش عادة يأخذ منحى كيفية ضمان استمرارية التمويل للمؤسسة، ولكن بعيداً عن التفكير ببدائل يمكن من خلالها تخفي فالاعتماد على الممول الأجنبي، لأن وقفع تماماً صعب جداً.
وأوضحت أن هناك اختلاف بين العمل المدني المبني على التطوع والإيمان بالقضية، والعمل كوظيفة ومصدر دخل، معتبرة أن السنوات العشر الأخيرة شهدت انحداراً في أداء هذه المؤسسات، بسبب مشكلة التمويل الأجنبي، بالإضافة إلى التهمة اللصيقة بمنظمات المجتمع المدني بأنها بعيدة نوعاً ما عن القاعدة، وأن ثقافتهم غربية.
وأضافت أن بعض المؤسسات لديها أولويات تعمل من أجلها، تتلاقى أحيانا مع الممول وأحيانا تتعارض، فمشكلة المؤسسات أنها لا تغطي النفقات اليومية لها، فتحولت من مؤسسات تنموية إلى مؤسسات تعمل حسب المشاريع، وهذا لا يعطي فرصة للمؤسسة لعمل خطة طويلة الأمد لتطوير ذاتها وهنا التحدي الأكبر.
تاريخ حافل
وتطرقت عبد الرحمن في حديثها إلى أن المؤسسات النسوية في فلسطين لا تنفصل عن مؤسسات المجتمع المدني التي تأتي استجابة لاحتياجات المجتمع في العملية التنموية والعملية السياسية، معتبرةً أنها من أقوى المنظمات في المنطقة العربية، لأنه نتج عن حاجة المجتمع الفلسطيني منذ نكبة عام 1948 حيث تحرك للإغاثة وهنا بدأت حركة المجتمع المدني الفلسطيني.
وأضافت أننا ومنذ بداية النضال كان لدينا حركة نسوية قوية من خلال اتحاد المرأة الفلسطينية وشخصيات فلسطينية شكّلت الحركة النسوية، استجابة لحاجة المجتمع، وهنا نشأ ناشطون وناشطات وصلوا لمرحلة عالية من المهنية والكفاءة لا تقارن بأي دولة عربية أخرى.
وتحدثت عن أن الحركة النسوية الفلسطينية كانت جزءاً من الحركة السياسية ولم تكن نسوية بحتة، بسبب الاحتلال، فلا يمكن الحديث عن حقوق المرأة بمعزل عن حقوق الإنسان الفلسطيني والفرد الفلسطيني.
وأضافت أن العمل النسوي كان محكوماً بالأجندة السياسية حتى قدوم السلطة الفلسطينية، حيث كانت الفرصة مهيأة للمؤسسات النسوية للعمل ببرنامج نسوي يتطرق لقضايا مثل قمع المرأة على المستوى الاجتماعي، والتمييز ضد المراة والعنف وتهميش المرأة والتي كانت محرمة قبل قدوم السلطة، والتي كان فيها نوعاً من الإبداع مثل تجربة البرلمان الصوري التي كانت رائدة على مستوى المنطقة العربية، حيث لأول مرة يتم التطرق لوضع المرأة القانوني وتعديلات القوانين.
ابداع وتقييم
وفي الحديث عن مستوى استفادة النساء من المؤسسات النسوية، قالت بأن المستفيدات عادة لا يقررن بل يتلقين الاستفادة من المؤسسة، بالتالي الإبداع مطلوب من المؤسسات النسوية؛ التي حصرت نفسها بزاوية تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للنساء ضحايا العنف، ولم تكن مبدعة في التجديد.
وشددت عبد الرحمن على ضرورة ألا تقوم المؤسسات بوقفة تقييم لعملها بالسنوات الماضية، وتتساءل هل فعلاً استفادت المرأة العادية في الشارع من عمل المؤسسات؟ هل انخفضت نسبة العنف؟ هل التوعية أثّرت على التعامل مع الرجل؟ هل عملنا ساعد المرأة أن يكون لها شخصية مستقلة داخل البيت؟ هل ساهم في الاستقلالية الاقتصادية للمرأة؟.
وشرحت بأن العمل لسنوات بنفس المشاريع، وعدم الخروج عن الإطار التقليدي، أوقف الإبداع عند بعض المؤسسات، مع عدم الاستخفاف بأهمية المشاريع المطروحة حيث حققت بعضها نجاحات مبهرة، فيجب تقييم أين نجحت وأين فشلت، والتفكير في أساليب لم تجربها المؤسسات، فالإبداع يعني التفكير المستمر والتجديد المستمر والتقييم المستمر.
وتحدثت عن أهمية تواتر القيادات النسوية، وضرورة إعداد قيادات نسوية شابة قادرة على حمل أعباء المسئولية، وتسليمها القيادة تدريجيا، والاستعداد للتشارك مع الجيل الجديد.
وقالت بأن الحركة النسوية الفلسطينية تميزت بأنها عملت في ظروف غاية التعقيد على المستوى السياسي، بسبب الحصار والاعتداءات الاسرائيلية على قطاع غزة، والجدار الفاصل في الضفة الغربية، بالتالي لديها خبرة بالتعامل مع الطوارىء، والقدرة على الصمود في أصعب الظروف.
مقارنة بالثورات العربية
وأكدت صعوبة المقارنة بين تجربة المؤسسات النسوية الفلسطينية وأي دولة أخرى نظراً لاختلاف الظروف في كل بلد، فتاريخ الحركة النسوية العالمية طويل، وملىء بالتجارب في ظروف مختلفة، فتجربة النساء مثلاً في أمريكا اللاتينية تختلف عن تجربتهن في جنوب إفريقيا.
وتابعت بأن المؤسسات أحياناً لا يكون لديها القدرة أو تغفل عن أهمية تبادل الخبرات مع البلدان الأخرى، فمثلاً في موضوع الانتخابات هناك مجل للمقارنة مع تجربة النساء اللواتي شاركن في سن الدستور في جنوب إفريقيا، وما هي التحديات التي واجهتهن، وكيف تغلبن عليها، كذلك ممكن مقارنة وضع المرأة في البوسنة اللواتي تعرضن للاغتصاب، وكيف تمكنت المؤسسات من العمل بحيث لا تصبح ضحية مرتين، ومقارنتها بوضع المرأة في سوريا وليبيا حيث كان هناك حالات اغتصاب.
وأوضحت عبد الرحمن أن هدف المؤسسات النسوية الفلسطينية غير واضحة، هل هو المطالبة بالمساواة، هل هو تخفيف العنف ضد المرأة، فليس هناك استراتيجية واضحة بالنسبة لمن يراقب يتساءل المؤسسات النسوية تطمح إلى ماذا؟ إضافة إلى عدم وجود تنسيق حقيقي بين المؤسسات النسوية.
وبالمقارنة بين مشاركة المرأة في النضال الفلسطيني ومشاركتها في الثورات العربية، أوضحت أن المرأة الفلسطينية شاركت في النضال القِدم، فبعد عام 1948 كانت جزءاً من النضال المسلح والنضال الإغاثي، وفي الانتفاضة الاولى شاركت في التظاهرات وكذلك في العمل السياسي، وتواجدت في العمل الإغاثي، وفي الانتفاضة الحالية ونظراً لاختلاف المرحلة كانت مشاركتها إعلامية وإغاثية أكثر.
وأوضحت أن وضع الدول العربية كان مختلفاً فمثلاً في الثورتين الأكبر مصر وتونس، كانت في مصر مؤسسات انبثقت عن الحركة السياسية في السبعينات، ولكن مشكلتها عدم وجوج اجيال جديدة بالقدر الكافي، كلنها شاركت ومنذ اللحظة الأولى وبشكل مكثف في الثورة، وكانت تتوقع أن مطالبة الشعب المقموع بالحرية والعدالة ستشمل مطالبها، ولكن تكشفت الأمور وحدث العكس، حيث رأينا سحل النساء وكشوف العذرية، والأسوأ كان التحرش الجنسي.
وشرحت بأن ارتباط حقوق المرأة باسم سوزان مبارك التي تولت ملف المرأة، أدى لردة فعل عكسية، وتحجيم دور المرأة المصرية، أما في تونس فالتجربة اختلفت، فهي ريادة الحركية النسوية العربية، ولديهن حقوق من عام 1956 مع استقلال تونس والدستور التونسي الأول، تقارن بالحقوق في أوروبا.
ورغم ارتباط حقوق المراة في تونس بزوجة الرئيس المخلوع ليلى بن علي، إلا أن المرأة التونسية كانت ذكية وواعية بالحفاظ على هذه الحقوق، فقد عملن ومنذ اليوم الأول وبدعم مؤسسات المجتمع المدني، لمنع سحب الحقوق الموجودة.
