المصالحة: أما بعد
تاريخ النشر : 2014-10-13 17:58

بقلم: عاطف أبو سيف 

انتهت زيارة الحكومة الفلسطينية لقطاع غزة وعقد مؤتمر الإعمار في مصر ليجسدا خطوتين مهمتين في مسيرتين مختلفتين ولكن متكاملتين. 
الأولى تتمثل في تجسيد المصالحة فعلاً لا قولاً، والثانية في إطلاق مرحلة ما بعد العدوان الأخير على غزة، وهما قضيتان مترابطتان بشكل عضوي ويمكن تلمس أن فشل إحداهما يهدد الأخرى بالفشل.
بالنسبة للمصالحة فقد ظلت لسنوات طويلة مجرد لقاءات واتفاقات وتفاهمات وعبارات مجاملة وفي نفس الوقت نقاش وجدل وصراخ واختلاف، وفي كل الحالات حتى في أزهى لحظات المصالحة لم يتجاوز الأمر كونه مجرد إشارات لا تصل الأرض، هذه المرة الأولى التي تجد الحكومة الموحدة نفسها في غزة، صحيح أن الأمر كان مجرد زيارة قصيرة ولا يجوز للحكومة أن تزور أرضها بل هي مقيمة هناك، لكن علينا أن نرى البعد الدلالي للأمر حيث إن المصالحة لم تعد مجرد تفاهمات واتفاقات بل هي سياسات تنفذ على الأرض. 
يبدو أن ثمة لحظة ناضجة جعلت من نقل الحكومة من مجرد فكرة إلى أمر واقع يحكم الشطرين المنفصلين في السلطة الفلسطينية، قد حانت، وأن ثمة دوافع ربما تكون متباينة لدى الأطراف جميعاً جعلت من "كظم الغيظ" وتحمل آلام المصالحة ممكناً، وهو نفس المنطق الذي سهل من الزيارة وجعلها تمر من دون أزمات ميدانية أو احتكاكات، بل يمكن تلمس مستوي التعاون في إنجاحها.
من جهة حماس فهي بدت معنية بإنجاز الملفات التي لم تنجز في المصالحة لاسيما قضية موظفيها الذين لم يتلقوا رواتب، حيث إن منطق الأشياء أن الحكومة الجديدة تتحمل مسؤولية جميع الموظفين، إلى حين انتهاء اللجان من عملها، بالنسبة لحماس هذه قضية مفصلية، وتشكل هاجساً يجعل من تسهيل عمل الحكومة أمراً محتوماً، كما أن حماس معنية بشكل كبير في أن ترى عجلة إعادة الإعمار وقد انطلقت لأنها تعرف أن استمرار الركام والردم في غزة سيعني تحميلها المزيد من العبء والمسؤولية أمام الناس. 
وعليه فقد توفر لدى حماس ما يكفي من الدوافع كي "تمكن" الحكومة الجديدة من حكم غزة، وهو تمكين يجب أن ينطلق من القناعات قبل كل شيء.
بالنسبة لفتح أو للسلطة بشكل عام فإن مبدأ شرعية تمثيل السلطة والحكومة في مؤتمر إعادة الاعمار كان مهماً. 
فالعالم لن يدفع أموالاً لحكومة غير موجودة على الأرض، وإذا كان المجتمع الدولي لن يدفع فلساً في موضع يُشك بأنه سيتدمر بعد ذلك، فهو أيضاً وبنفس الإصرار لن يدفع فلساً دون أن يتأكد من أن ثمة "ترتيبات" تضمن ضبط الحكم في غزة لصالح جهة يعترف بها. وهو، أي المجتمع الدولي، غير مستعد أن يعترف بأي ترتيبات لا تكون بضمانة السلطة، وعليه فإن وجود الحكومة في غزة أكثر من مجرد إشارة بل هو تأكيد على أن ثمة قطارا انطلقت صافرته ولن تتوقف.
ولكن هل ثمة ضمانات بأن لا تتعطل عجلات القطار أو يواجه قطعاً في قضبان سكة الحديد التي يسير عليها. 
بالطبع أن قراءة تاريخ المصالحة تكاد تصيبك بأزمات قلبية متتالية، وعليه فإن قائلا قد يقول إن القطار سرعان ما سيتوقف، أو "اندفاعة" المصالحة ستتوقف مثل نبضات قلبك. 
هذا قد يحدث إذ إن "أمراء" الانقسام مازالوا ربما مشغولين في الإعداد لكل "عطل" ممكن من أجل إيقاف المحركات، كما أن القطط السمان التي التهمت كل "العسل" مازالت تدرك أن المصالحة ستأتي على فرصها في التهام المزيد وقد تضطر لدفع ثمن ما التهمته. 
لذا ثمة أعداء كثر للمصالحة، وهذا يتطلب حماية المصالحة بشكل كبير من خصومها الذين يرون فيها ضرراً لابد من درئه. 
وإذا كانت الخيبات بحجم التوقعات فإن أية انتكاسة الآن في موضوع المصالحة ستعني عودة الامور إلى الوراء. 
يقتضي هذا حكمة عالية في إدارة الأزمات التي قد تطرا وتعميقاً مستمراً للحوار الوطني، وتذليل كل العقبات من أجل أن تكون مصالحة حقيقية وليست مجرد ردة فعل على واقع حزبي "غير مساعد"، وإذا ما توفرت النوايا فإن التفاصيل تصبح تحصيل حاصل، لأن حكمة الأشياء أنه في المشاريع الكبرى فإن التفاصيل الصغيرة ليست ذات أهمية، لأن نجاح المشروع يتطلب أن تنظر إلى المخرجات الأكبر منه لا إلى التفاصيل التي تفتح مسامات الفشل.
اما القضية الأخرى فهي قضية إعادة إعمار قطاع غزة، مرة أخرى إن المجتمع الدولي الذي سيدفع الاموال لإعمار القطاع لا يفعل ذلك لأن لديه فائضا من الاموال لا يعرف أين سيصرفها، حيث إن بؤر الأزمات في الكون كثيرة وثمة مجاعات وحروب ومشردون في كل مكان. 
ومن يدفع لديه سياسة ما وموقف ما من القضية التي يتبناها، ببساطة فإن المجتمع الدولي لا يدفع لنا لأنه يريد أن يعتذر نيابة عن إسرائيل، فهو نفسه المجتمع الدولي الذي يقف أمام حقوقنا في المؤسسات الدولية وهو نفسه الذي لا يحرك ساكناً لإجبار إسرائيل على الالتزام بقراراته، فيما يتحرك بعنف مثلاً في أماكن كثيرة من العالم. 
يبدو هذا الحديث مهماً حتى نفهم أن ثمة واقعا جديدا ينتظرنا، وهو واقع متعدد ومتشابك يتداخل فيه الوطني والإقليمي والدولي وتختلف فيه مساحات الحركة. 
ولا تبدو أية ضمانة لنا من اجل أن ننجح في قطف الثمار إلا أن نحافظ على سياج الحقل، أي على الوحدة الوطنية من الانهيار. 
من هنا يأتي هذا التشابك بين تفعيل الحكومة وجعلها تحكم وتمارس سيادتها في غزة وبين مؤتمر إعادة الإعمار، وفي كل الحالات نبدو نحن أصحاب القرار الأساسيين في التقرير في مصير المساحة الضيقة من المستقبل الذي ينتظرنا. هل سنفعل؟ إن الإجابة لا تكمن في غيمات الغيب بل في نفوسنا.