غزة-نوى- شيرين العُكة
لم ترزق الستينية عايدة أحمد بزوج وأبناء، فأمضت سنين حياتها في بيت العائلة الذي خرّج باقي أبنائه ليفتحوا بدورهم بيوت أخرى ويكونوا أسرة، بينما فضلت هي البقاء في مسقط رأسها الذي يحتضن ذكريات والديها الراحلين.
لم تبدأت فصول حياتها بالرخاء، بل كانت أكبر اخوتها، تقوم على رعاية والدها وأمها المسنين واخوتها كذلك، تعلمت الخياطة وعملت أجيرًة في إحدى المعامل، لتعود عشيًة وهي تحمل الطعام على رأسها، وتمكنت بعدها من اقتناء ماكينة خياطة، لتعمل من منزلها، ويقصدها من تتبعوا سيطها في التفصيل والخياطة.
قالت عايدة لـ "نوى" "كانت بداية حياتي صعبة، كنّا بلا كهرباء أو أجهزة كهربائية، وكنّا نحضر الماء في الجرار، واليوم ومع انقطاع التيار الكهربائي ما يزيد عن (8) سنوات، أجد الحياة تعود بي لما قبل الـستينيات".
وعن تجربتها في الحرب، قالت "كنت أخشى على أولاد اخوتي وأخواتي، والكثير منهم حضروا لبيتي في الحرب كونه الأكثر أمنًا، كنت أحدق فيهم وأسأل نفسي "هل سيأتي الوقت الذي سأفجع فيه بأولاد اخوتي، والذين هم في مقام أبنائي ؟".
هذه المسنه والتي لم تنعم بحياة طبيعية مستقلة، أخبرت "نوى" عن أمنيتها الوحيدة، وهي أن تعود الكهرباء كي لا تضطر إلى النوم على الشمعة التي قد تحرق جسدها يومًا، أو تنام تحت وطأة الحر أو البرد القادم، حتى أنها أعلنت أن لا أهمية لذلك كله، أمام امكانية موتها بفعل صاروخ، تزيد تكلفته عن مصروفها ومستوى معيشتها طوال هذه السنين.
لن يقتلها السرطان بل القهر
"أحدث ابني دومًا، أنني لن أموت بفعل السرطان الذي أصابني منذ ثلاثة سنين، لكنني قد أموت قهرًا على حاله، وهو يحسب لبداية الشهر الجديد لتسديد ايجار بيته، بينما جيوبه فارغة"، هذا ما قالته الستينية منوّر دياب، والتي تجد أن السرطان أهون عليها من شكوى ابنها الذي لا يجد ما يسد رمق أطفالة الثلاثة، أو يسد ايجار البيت.
والسيدة منوّر تسكن هي أيضًا وزوجها بالايجار منذ (30) عامًا، ولديها أبناء يدرسون في الجامعة، وبالكاد توفر تجارة زوجها رسوم الدراسة، بينت لـ "نوى" ان ابنها الكبير خريج كلية الحقوق، ومع ذلك لا يجد فرصة عمل مناسبة، ويساعده والده في تأمين الايجار، لكن ذلك وحده لا يكفي.
قالت منوّر "المرض لن يقتلني فقد احتسبت أمري ورضيت بقسمتي، لكن ظروف البلد والبطالة، حتى أبنائي الآخرون سينهون دراستهم ليلاقوا نفس مصير أخيهم، لا مال ولا عمل ولا بيت حتى"، وبالرغم من المصيبة التي خلفتها هجرة الشباب الغزيين عبر البحر، إلا أن أحد أبنائها يعزم على ذلك بعد تخرجه، وكلما حاولت ثنيه عن التفكير بالموت غرقًا، أجابها " أنا في غزة ميت.. ميت".
أما الثلاثينية ريهام أحمد ليس لديها بيت هي الآخرى، فهي تسكن في غرفة متواضعة مع أهل زوجها، ولديها طفل واحد رزقت به بعد عمليتين زراعة، وعمل زوجها المتقطع لم يوفر لها حتى الآن سوى تكلفة علاج الإنجاب، ومصاريف طفلهما البالغ من العمر (6) أعوام.
أفصحت لـ "نوى" عما تفكر به هي وزوجها، فبعد الخوف وفقدان الأمان الذي سيطر عليهما في الحرب الأخيرة، قررا تجميع مبلغ من المال والسفر إلى بلاد المغرب العربي، قالت "طيلة أيام الحرب لم أفارق طفلي، فقد كانت امكانية فقدانه مستحيلة بالنسبة لي، لذا قررت أن يبقى إلى جانبي ونموت معًا".
وتابعت "حَضرت وزوجي جوازات السفر التي تلزمنا، وسنحاول تجميع مبلغ يوصلنا إلى المغرب أو تونس ربما، لنعيش هناك بعيدًا عن مستنقع الدم في غزة"، صمتت لتلملم أطراف معاناتها، وقالت "لا جدوى من البقاء هنا، ليس لدينا بيت أو دخل يوفر لنا الحياة الكريمة، والشئ الوحيد الذي امتلكته بعد عناء هو طفلي يامن، وامكانية فقدانه في مسرح الحرب هذه كبيرة جدًا".
عصفٌ و تشرد
وقد لا يكون من الحظ أن تمتلك بيتًا أيضًا، فهذه بارعة النجار تبلغ من العمر (59) عامًا، وتمتلك بيتًا كبيرًا زوجت فيه أبنائها وشهدت ولادة أحفادها كذلك، (3) صواريخ أو أقل كانت كفيلة بأن تطرحه أرضًا، وتعصف بمقتنياتها وذكرياتها، وحبات عرقها وزوجها التي تفصدت لأجل بناءه.
قالت لـ "نوى" "في حرب 2008 تعرض بيتي للقصف واستشهدت ابنتي، وطيلة هذه السنين ونحن نعيد بناءه إلى أن أصبح أربعة طوابق، وفي هذه الحرب قصف مرًة آخرى مع عشرات من البيوت التي تعود لآل النجار في خزاعة".
تشردت بارعة وعائلتها خلال الحرب في بيوت اللجوء، وافترشت الأرض مع المئات غيرها، تقول مستذكرة ما كان عليه حالها "كان لي بيت يعمره أبنائي وأحفادي، وكان لي سرير نظيف، ومطبخ وكل ما أحتاجه، اليوم أنا بلا شئ، ضاع كل شئ، كم أحتاج من العمر كي أصدق أنهم سيعيدون اعماره، هل سأعيش حتى هذه اللحظة ؟".
وعن سؤالنا لها عما يقلقها في الوقت القريب، كانت اجابتها حاضرة، "سأموت مشغولة البال على مصير زوجي وأبنائي وأحفادي المشردين".
تكاد تكون الطموحات والأحلام وكل ما له علاقة بالمستقبل، مبتورٌ على عتبات غزة، فثلاثة حروب خلال نصف عقد، كانت كفيلة بأن تقتل الأمنيات قبل بزوغها وتزرع الحنظل بدلاً منها، ولو نظرنا من خلال منظار النساء ربات البيوت وأمهات الأجيال، لتكشفت لنا الرؤية الغائمة لمصيرهن وأبنائهن، علاوًة على نبضهن بالقلق، والشك فيما يسمى السياسة "لعبة الكبار"، و "مسرحية" إعادة الإعمار.
