"داعش" يذبح عين العرب "كوباني" قربانا لأردوغان
تاريخ النشر : 2014-10-12 18:09

بقلم : مصطفى السعيد

لماذا انطلقت جحافل تنظيم داعش الى مدينة عين العرب "كوباني" السورية، ذات الأغلبية الكردية؟

المدينة بعيدة عن مناطق تمركز تنظيم داعش، ولهذا احتاج حصارها واقتحامها نقل كميات كبيرة من العتاد والذخائر والمقاتلين لمسافة طويلة، في وقت تقول فيه بيانات التحالف الدولي بقيادة أمريكا ان طائراته تجوب السماء ليل نهار، بحثا عن مسلحي داعش، لامطارهم بالقنابل والصواريخ.

كوباني ليس فيها بترول ولا غنائم، وليست مغرية الى حد تحمل تنظيم "داعش" كل هذه المخاطر، فداعش تسيطر على شريط طويل من الحدود مع تركيا، وعدة معابر، أهمها تل أبيض، بينما حول مناطق تمركز داعش أماكن أكثر أهمية وثراء من عين العرب "كوباني"، يمكن أن تكون صيدا سهلا وأقل كلفة من المدينة الواقعة على الحدود مع تركيا، ذات الطبيعة الجبلية الوعرة.

تتألف كوباني من 384 قرية صغيرة، يتجاوز سكانها 460 ألف نسمة، أغلبيتهم من أكراد سوريا، معظمهم نزحوا قديما من تركيا، ولهذا توجد روابط قوية بين المدينة وأكراد تركيا، تعززها الجغرافيا والتاريخ معا، لكن ما يميز كوبالي شيئين، أولها أنها تتمتع بحكم ذاتي، وبحقوق يحسدها عليها أكراد تركيا، وثانيها أنها معقل رئيسي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، المتحالف مع النظام السوري، الى جانب وجود ملموس لكوادر حزب العمال الكردستاني، الذي خاض معارك شرسة طوال عقود مع الحكومات التركية، ورغم سجن زعيمه عبد الله أوجلان، الا أن للحزب قواعد قوية ومدربة، وفي عام 2012 فتحت حكومة أردوغان محادثات سلام مع عبد الله أوجلان، وفي هذا التوقيت كان يظن أردوغان أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد على وشك السقوط، وأن جماعة الاخوان الحليفة له سوف تسيطر على مصر وتونس ودول أخرى، ستجعل منه خليفة على امبراطورية واسعة، وأن عليه ترتيب بيته الداخلي، واحتواء الكراد، حتى يتفرغ لغزواته وتوسعاته وهو مطمئن البال.

وعندما تفاوضت أمريكا مع تركيا للاشتراك في التحالف الدولي ضد داعش، كان لأردوغان تحفظات وشروط، فتركيا كانت المعبر الرئيسي لمرور مقاتلي "داعش" من 82 دولة الى سوريا والعراق، وبها مراكز تدريب، وتعالج جرحى "داعش" في مستشفياتها، وهي مركز الامداد والتموين الرئيسي للتنظيم الارهابي المطالبة بالانقلاب عليه، ولو فعلت فان جماعة داعش ستكون في مأزق خطير، لهذا يطالب أردوغان بثمن باهظ ليتخلى عن "داعش" وربما وضعها لتعجيز حلفائه، فيبقي على علاقته القوية بالدواعش، لربما حققوا له بعض ما عجزت جماعة الاخوان عن تحقيقه، أو عوضته بعضا من خسائره.

اشترط أردوغان اقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، ممنوع على الطيران السوري التحليق فوقها، تتحول الى مركز انطلاق قوات معارضة سيجري تدريبها في السعودية، لتحتل الأراضي السورية، وتسقط النظام.

لكن يبدو أن أردوغان كان له شرط آخر غير معلن، وهو أن تترك طائرات التحالف الدولي مسلحي "داعش" يزحفون الى كوبالي لاحتلالها، وهو ما يفسر عدم اعتراض الطائرات الأمريكية لقوات داعش طوال أسبوعين، حتى اقتحمت مداخل المدينة، فبدأت بضع غارات على استحياء شديد، لا يمكن أن تؤثر على مجرى القتال، بعد أن التحمت القوات، فأصبح من الصعب على الطيران أن يتدخل بفاعلية في معارك الشوارع، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن الأهداف الأمريكية ليس من بينها الدفاع عن مدينة كوباني، وانما اضعاف داعش.

لقد أراد أردوغان أن يقضي على كل من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني المتحالف مع بشار الأسد، وكوادر حزب العمال الكردستاني المزعجين، على أن ترتكب "داعش" المذبحة، فيدخل أردوغان الى كوبالي فيما بعد ويداه نظيفتان من دماء الأكراد، فتركيا بها ما يزيد عن 15 مليون كردي، يشكلون 20% من سكانها، وقد اختبر غضب الأكراد من قبل، وهاهي الانتفاضة مستمرة في معظم المدن التركية، تدفق خلالها دماء ما يزيد عن 20 ضحية، لتكون دمائهم وقودا جديدا في الصدام العنيف مع حكومة أردوغان، احتجاجا على دورها في اقتحام كوباني بأيدي "داعش" .. فماذا لو كان أردوغان قد ارتكب المذبحة بيديه؟

مدينة كوبالي تعني الكثير لدى الأكراد عموما، وسكانها على وجه الخصوص، فهي تتمتع بمكانة معنوية كبيرة، ربما لتاريخها الطويل في تحدي الدولة العثمانية، وأنها معقل أكبر عدوين كرديين للحكومة التركية، هما حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال، وتجربتها المميزة والملهمة في الحكم الذاتي..كما أن اسم المدينة باللغة الكردية هو "لا تتركوهم يدخلون" وهو اسم ذو دلالة، كأنه أمر من التاريخ بكتابة حاضر نضالي يليق بتضحيات الأكراد.

الاهرام المسائي- مقال يوم الأحد 12-10-2014