الى كل فتاة يافعة و فتىً يافع
تاريخ النشر : 2014-10-08 22:23
الصورة ل دولشين و أنا و خلفنا (شلالات نياجرا) في كندا عام 2008

بقلم : خالد كساسبة

أرى صخب ابنتي فاتذكر بؤس طفولتي

أتعبتنا السياسة أو أننا اتعبناها ، سنأخذ منها (استراحة) و نعطيها (راحة ) ، سنأخذ منها (اجازة ) ونعطيها (هدنة ) ، سناخذ منها (كذبها) ونعطيها (صدقنا) ،سناخذ منها (الاعيبها) ونعطيها (ضميرنا).

ارى (صخب) ابنتي دولشين فاتذكر(بؤس) طفولتي .

طفولة فقر وعوز،لا مصروف ولا ساندويشة للمدرسة ،مرة اعطتني امي قرشا فتشاركت مع فقير اخر لشراء ساندويشة بقرشين.

حين اتابع ابنتي المنتشية مع اصحابها فرحا في انتظار باص المدرسة ، فإنني أتذكر بنات (وادي موسى) يمشين كيلو مترات للبحث عن (علم ) .

في الطفولة ، كنت اكره (الدعايات) التي تقطع المساسلات التي كنت اشاهدها في بيت الجيران (لم نملك تلفزيون) ،لا لشىء الا انني لا استطيع شراء اي شىء من البضاعة المعروضة، ابنتي تنتظر (الاعلانات) لتسهل عليها عملية التسوق .

ابنتي تتسوق بواسطة الانترنت ، تقول لي : بابا .. ما اسهل المسألة ، اكبس على لوحة المفاتيح بضعة كبسات وبعد عدة ايام يصلني ما اريد ،ارد عليها :كل العملية سهلة باستثناء ان تتوفر الفلوس في البنك للدفع ببطاقة التأمين ، في طفولتي كنت اتسوق مع ابي من محلات (البالة) .

ابنتي تقتطع مبلغا من مصروفها لشراء الطعام والملابس ل (بوتشي) كلبها المدلل ، وانا كنت احرم نفسي المصروف لاوفر على ابي وامي .

دولشين تمارس التزلج على (الجليد) ،وانا مارست في طفولتي التزلج على عربة عجال( البيليا).

ابنتي تسبح منذ كان عمرها ثلاث سنوات وانا وقد بلغت الرابعة والاربعين لا زلت اغرق في (شبر ماء).

ابنتي قضت في المطارات والطائرات تستمتع ب(السفر) مدة تعادل ما قضيته في مواقف السرفيس والباصات استمتع ب ( الطفر).

ابنتي تكتب اغاني ب (الانجليزية) مليئة بالحب والفرح والصخب وانا اكتب ب (العربية )عن شعب مقهور وعن فقراء يغادرون منازلهم من اجل (لقمة العيش) واطفالهم نيام ويعودون اليها واطفالهم نيام.

ابنتي تقضي وقتها في (ارسال) رسائل قصيرة لاصدقائها وانا امضيت طفولتي (مرسلا )اما لشراء علبة سجاير لوالدي او كيلو سكر لامي ، واول مرة امسكت فيها الخلوي كان عمري سبعة وعشرين عاما.

ابنتي تجلس على حاسوبها المحمول الذي بحجم كتاب وانا اول مرة رايت الحاسوب في حياتي عندما دخلت الجامعة ، كان بحجم نصف غرفة.

ابنتي تمارس كرة القدم على ستاد يضاهي الملاعب الاولمبية وانا مارست كرة القدم على ملعب صخري مائل خطوط التماس فيه من الحجارة، ذات مرة حاولت ركل الكرة فركلت حجارة التماس،جلست حبيس الجبص لمدة شهر.

تجلس ابنتي تقلب بين مئات القنوات التلفزيونية وتشاهد (مايلي سايرس) و(سيلينا غوميز) وانا امضيت طفولتي اشاهد (راس غليص) النسخة الاولى على تلفزيون ابيض واسود ،يبدا ارساله مع حلول الظلام ويتوقف بعد نشرة اخبار الحادية عشرة.

ابنتي اشتكت لي ذات مرة ان معلمتها في المدرسة كانت قاسية عليها، لم تقل لها صباح الخير في ذلك اليوم ، ذات طفولة مدحت معلمي لابي:"اليوم المعلم لم يضربنا ، لقد شتمنا فقط".

ابنتي امتلكت اول دراجة هوائية من (المول) بعمر خمس سنوات، وانا اشتريت اول دراجة من (سقف السيل) بدينار،كانت بغرض العمل لا المتعة، كنت اؤجرها لرفاق الحي، ابنتي امتلكت سيارتها الأولى في سن الثامنة عشر و أنا امتلكت سيارتي الأولى بعد خروجي من الاردن .

طفلتي واصدقائها يحتلون نصف المنزل وكل الحديقة الخلفية بالعابها واجهزتها الالكترونية وانا كنت اتشارك ابي وامي واخوتي الخمسة غرفة واحدة.

طفلتي تملك حماما خاصا و(جاكوزي) وانا امتلكت حماما سقفه من (الزينكو)، كان خارج المنزل.

طفلتي ترتدي (جزما) للشتاء مصنوعة من جلد( الماعز) ماركة ال (أقز) تمنحك الدفء والراحة،انا كنت ارتدي (جزمة بلاستيكية) سوداء تملؤني بردا وصقيع.

ابنتي تتواصل مع اصدقائها عبر ال (سكايب) وال (افو) ، انا كنت امشي خمسة كيلو مترات لارى صديق ، ابنتي تتقن قيادة السيارة منذ كان عمرها عشر سنوات و حصلت على رخصة القيادة قبل أن تتم الثامنة عشر ، انا حصلت على الرخصة عندما كنت في الرابعة والعشرين بعد ان رسبت ثلاث مرات .

ابنتي تذهب الى المدرسة بسروال ممزق (شغل الموضة ) ، انا فعلت الامر نفسه (شغل الفقر والعوز) .

ابنتي تقرأ عن الحرب المستعرة بين (كيم كارداشيان) و ( كانيون ويست) ، انا قرأت ( حرب البسوس) عندما كنت في الصف الرابع ، ان لم اقرا تاريخ (الثأر) فهذا يطعن في (كركيتي) و (اردنيتي) .

تنتشي ابنتي بعيد الاستقلال (الامريكي) باطلاق العاب نارية زاهية الالوان ، وانا كنت احتفل بعيد الاستقلال بحرق اطارات ( الكاوشوك) واطلاق الادخنة السوداء ، هي تحي الرابع من تموز بالسباحة مع باربيكيو يعد على فرن مصنوع من ال (ستانستيل) ، انا كنت احيي الخامس والعشرين من ايار بالقراءة انتظر طبخة (المجدرة ) التي تعدها امي على (البابور)،والى الان لا زلت امضيه في مشاهدة التلفزيون يبث حفل استقبال لا يحضره الا علية القوم فقط، يسمعونا دروسا في حب الوطن ،اما اغلب الشعب فعيد الأستقلال بالنسبة له مجرد يوم عطلة اضافي.

ابنتي كتبت مقالة قالت فيها انها لا تحب ( بوش) لانه مجرم حرب ، علقوا مقالتها على جدران المدرسة ، انا كتبت مقالا ايام دراسة الصحافة في اليرموك ينتقد رئيس الجامعة (علي محافظة) فاستدعيت من قبل المخابرات وهددت بالفصل.

ابنتي قالت لي انها تستطيع ان تنتقد (اوباما) في وسط (واشنطن) ، فأجبتها : وانا ايضا استطيع ان انتقد (اوباما) في وسط (عمان) .

ابنتي تعيش طفولتها في (امريكا) ،انا عشت طفولتي في (الاردن).

رغم كل ذلك اشعر ان طفولتي اجمل .

لان الاردن ايامها كان نقيا ،جميلا ، بريئا ، وبهوية .

الاردن الذي احلم به هو اردن خالي من النفاق ، ومن الشقاق و من الاسترزاق ، اردن بلا فتاة تحاول الانتحار للتخلص من فقرها ، لا شقيق يقتل شقيقته باسم الدفاع عن الشرف ، لا مشاجرات عشائرية ، لا (حليقي رؤوس) ، لا ديمقراطية مزورة ، لا تحرش بالنساء ، لا اعيرة نارية بالافراح ،اردن بلا داعشين ، اردن يحترم السائق فيه اشارة (قف) و يعرف أن (الغماز) في السيارة أهم من (الزامور) ، اردن بشوارع نظيفة و قلوب نظيفة و ضمائر نظيفة.

هذا العام زرت الاردن لارى الاردن ، و لكنني لم اجد الاردن .

وجدت شيئا مسخا (اسف للكلمة ولا اقصد بها البلد وانما حالة البلد ) ، اختلطت فيه الثقافات والحضارات والهويات .

احداهن وفي زيارة للاردن سألتني بالانجليزية ان اعطيها عنوان احد المطاعم قلت لها اعذريني انا لا اتحدث الانجليزية لان لغتي الام هي اليابانية ، قالت ولكن شكلك ليس يابانيا ، قلت : وشكلك ليس من مواليد لندن ، ومضيت في طريقي .

سائق التكسي الذي نقلني ذات مرة انتقد ارتدائي ل (سروال قصير) لان هذا يخالف تعاليم الاسلام ، بعد ان اوصلني لغايتي اكتشفت انه غش في الاجرة ، لم اعترض، اعطيته ما طلب وقلت له (سروالي) قصير ولكن ( ضميري ) كبير .

احدهم قال لي انه سيطلب من خطيبته ان ترتدي الحجاب لانه فرض في الاسلام ، مرت احدى الفتيات المحجبات لكن الاسلام لم يمنعه من التحرش بها بالنظر والكلام ، نصحته ان يلبس حجابين ، واحد لعينيه ، والثاني للسانه، وان يترك ل خطيبته شعرها وطهرها .

كم افتقد الاردن.

كم افتقد طفولتي .

حاولت ان ابتعد عن السياسة ولكني ما استطعت ، اعذروني ، ولي عذر ، انا اردني .

[email protected]