بقلم : زكريا محمد
تمكنت الحركات الوطنية العربية من جعل الدين جزءا أدواتها وحركتها. أي جعلت الدين في خدمة (الوطن) و (الوطنية)، وسندا لهما. حدث هذا أيام الناصرية وما قبلها. حدث منذ نهايات القرن التاسع عشر. كان الجهاد وقتها جزءا من الكفاح الوطني. الجهاد في سبيل الوطن وضد مضطهديه كان هو ذاته الجهاد في سبيل الله.
الآن ينفلت الدين عن الوطنية تماما. يسير وحده. يصير الجهاد من أجل الله صافيا مصفى. والله هنا شيء لا علاقة له بالوطن. إنه مرتبط بنص أكثر من ارتباطة بجغرافيا وطن، أي بكيان ودولة. ولا تستطيع هنا، مع النص، أن تحاسب الأمور بمنطق الفائدة العملية. في الماضي كانت الفائدة العملية هي المركز. ما يفيدنا في وجه الهيمنة الاستعمارية جيد ونافع. الجيد الآن هو النص. ما يوائمه فهو جيد. لكن النص حمال أوجه. كما أن لكل واحد كذلك نصه الذي يستند إليه، ويريد أن يتطابق معه. الوطن تحول إلى نص. والنص هو الله، والجهاد يحصل في سبيله.
انفصل الحليفان: الدين والوطن. سارا معا ما يقرب من قرن. ثم افترقا. لم يعد هناك وطن ما يتم الانطلاق منه. الجهاد يجري في سبيل الله فقط. وسبيل الله لا علاقة لها بسبيل الوطن.
من ناحية ثانية احتكرت الدولة الآن نهائيا فكرة الوطن. كانت فكرة الوطن أوسع من فكرة الدولة. كان الوطن هو المجموع، والدولة جزء من هذا المجموع. الوطن اختفى من القاموس. حل محله اثنان: الله من جهة، ودولة لا تمثل المجموع من جهة أخرى.
لم يكن ممكنا مواجهة الهيمنة الغربية من دون الدين. الدين عنصر مركزي منذ أيام جمال الدين الأفغاني، بل وما قبله. لكن الوطن والوطنية كانا هما من يمسك بزمام حصان الدين.
هذا الحصان أفلت زمامه نهائيا الآن. هام على وجهه. صار حصانا داعشيا. ركبته داعش وأمثالها كي تجاهد في سبيل الله. والوطن ليس له مكان هنا. حل الله محل الوطن والوطنية. الوطن والوطنية، ودولتهما، دفنا. الله هو الدولة الوحيدة المعترف بها هنا.
هل من سبيل للأمساك بالحصان الشارد؟ ومتى سنتمكن من الإمساك به؟ لا أحد يدري. فهذا مرتبط بنهوض ما لحركة وطنية ما، يبدو انها لن تنهض قريبا.
شاعر وكاتب فلسطيني
