حكاية أقدم موزّع صحف مقدسيّ
تاريخ النشر : 2014-10-04 15:25
القدس ــ محمد عبد ربه

يكاد يعرفه كل من يمر بمدخل "باب العامود"، بوابة العبور إلى القدس العتيقة. ورث بيع الصحف عن والده منذ الثانية عشرة من عمره، ليخوض رحلة كفاح طويلة يفخر بها، وتعرفها مدينته بسورها القديم وأزقتها حتى بات جزءاً منها ومن تاريخها. 

اسمه إبراهيم شبانة، وعمره الآن 69 عاماً. توسد سور المدينة المقدسة قبل نحو خمسين عاما ليبيع الصحف وما زال. هو أقدم موزع صحف مقدسي، كان جوالاً على قدميه يبيع صحف القدس ومجلاتها، واليوم، بعد أن طال به العمر، اتخذ من باب العامود مقراً له. 

يعرف مدينته حجراً حجراً، ويعرفه كل مقدسي. ويكاد يعرفه الزائر والمقيم، ورجال القدس جميعًا من أدباء ومثقفين. لقد كان إبراهيم فتى، وصار رجلاً، وبات اليوم كهلاً وجدّاً. 

رسمت رحلة الكفاح على وجهه حكايات كثيرة من المعاناة، سعيًا وراء لقمة العيش في مواجهة بلدية الاحتلال، التي طالما دهمت كتب وصحف بسطته المتواضعة البسيطة، لتثقل من بعد ذلك كاهله بالغرامات والمخالفات. 

عايش الرجل عهودًا مهمّة وأنظمة مرّت على القدس. لا يخفي شبانة حبه للعائلة الهاشمية حينما حكمت السلطات الأردنية البلاد، لهذا يحتفظ في منزله وفي حقيبة كتبه وصحفه التي يحملها بصورة لأفراد هذه العائلة، أبرزهم العاهل الأردني الراحل الملك حسين. 

في الفن، لا ينفك إبراهيم شبانة يردد الحديث عن صلة قرابة تجمعه بالفنان المصري الشهير عبد الحليم حافظ. وهو، كما يقول، يتحدّر من نفس عائلته ويحتفظ بصورة تجمعه بالفنان الراحل ليؤكد هذه الصلة مع واحد من مشاهير الغناء العرب. 

يشهد لشبانة إنسانيته وبساطته وتواضعه، إضافة لجرأته وصراحته حين يعاتب أصدقاءه المقربين. من بين هؤلاء مسؤول ملف القدس في حركة "فتح"، حاتم عبد القادر، وكذا القيادي الفتحاوي المقدسي طلال أبو عفيفة. فهو لا يتورّع عن معاتبتهما وقد مر زمن طويل لم يرهما، فيلومهما ويؤنبهما. لا حدود فاصلة بينه وبينهما. جمعتهما حاضنة واحدة هي حارة الشرف بالقدس القديمة قبل أن يهاجرا منها عام 1967، وينتقلا للعيش في مخيم شعفاط. كان شبانة ممن هجروا الحارة التي تسمى اليوم "حارة اليهود". لعل هذا سر ارتباطه بعبد القادر وأبو عفيفة وبأبناء المخيم جميعاً. 

عقود طويلة تربط شبانة بالقدس وحاراتها العتيقة، والمخيم في شعفاط الذي ما زال يقيم في شوارعه وأزقته، وفي بيوت الطوب والصفيح. 

في رحلة كفاحه التي يتحدث عنها لا ينسى زوجته الكاتبة المقدسية هدى شبانة، التي يتذكرها المقدسيون عبر مقالاتها في صحيفة "الفجر". كما لا ينسى دعمه لزوجته وإلحاحه على الصحيفة لنشر كتاباتها، هي التي لا تقل كفاحا عنه.