بقلم : لينا جزراوي
أهم الاشكاليّات التي نواجهها اليوم هو اشكاليّة التراث حيث يُمكِن مُلاحظة الصّراع الدّائِر بين الماضي والحاضِر بسهولة وهو جزء من الصّراعات التي نشهدها على امتِداد الوطن العربي، فنقاوِم الحداثة بصورتها الغربية المُنفتِحة حرصا منا على الموروث، وهو ليس صراعا حديثا بل لطالما كان موجودا بعد أن تحرّرنا من الاستِعمار وبدأت محاولات بعض المفكّرين لردّ الاعتِبار للقوميّة والثّقافة العروبيّة وتشكيل دعامة للمُقاومة ضِدّ الامبرياليّة الاستعماريّة.
ما أريد قوله ..
أن اشكالية التراث لا تكمن في القفز عن الماضي بكلّ مكوّناته ففي الوقت الذي تبدو علينا مظاهر الحداثة واضِحة، لا يُمكننا انكار ذلك المُحيط من التقاليد والموروث الّذي نسبح فيه ، ويتحكُم في حياتنا ويُسيّرها ولا نملِك أن ننفكّ منه إن رغِبنا، نحن نلتزِم بكثير من موروثاتنا دون قناعة منّا، لكن كيف تتحقّق الحداثة دون الاصابة بفوبيا فقدان الصّلة بالماضي الّذي يُرعِب المجتمع ؟
لست مع فكرة بَتْر الماضي للولوج نحو الحداثة، لكني اجد ان الاشكالية الحقيقية في مسألة التراث تكمن بالنص المقدس، فعندما يوصف نص بأنه مُوحى به من إله فهنا نقِف أمام مرجعيّة من الصّعب اختراقها، وان كان محمد اركون و محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد وهُم أصحاب مشاريع فكريّة قد حاولوا من خلالها تحرير النصّ من قدسيّته وأنسنتُه وقد حوربوا وكٌفّروا، لكن ثمّة منطِق يُخاطِب العقل في طروحاتهم لا يمكن اغفاله، فمجرّد وصول النّص لبشر فلا يعود مُقدّس ، ويجوز تأويله، وهنا كانوا يُحاولون تحرير العقل العربي من فِكرة المُقدّس و فشِلوا لأن بُنية العقل العربي بُنية دوغمائيّة دينيّة ، ما المانِع اذا من الاضّطلاع على حضارات شعوب كانت يوما غارِقة في بحر الظّلمات والاستفادة من تجاربها، في وٍسع الحضارة الغربيّة أن تمنحنا الكثير، لكن علينا أن نملِك نفسا مستعدّة للقبول، لماذا لا نأخذ منهم ما ينقصنا!
أؤمِن بأن الحضارات تُكمّل بعضها البعض، وأن الولوج نحو الحداثة لا يعني نبذ الماضي والتراث بتفاصيله فعندما نستقي المعارف الفكريّة الجديدة لا يتزلزل ما أتينا به من حَضارتنا، فالحداثة ليست ثوبا مستوردا نلبِسه ونغضّ النّظر عن مقاس مُجتمعنا ، احترام التراث هو احترام روحه لا نسخُه، و التعلم من أخطاءه، لا تكرارها.
يكفينا تحكّم الأموات بعقولنا، اشكاليّة المُقدّس لا حلّ لها إلا بالعلمانيّة ، وهي الحلّ الّذي تخلّص به الغرب من فِكرة القداسة ودشّن عصرا جديدا مُحدِثا فرضَه علينا ، وقبلناه شكليّا لكن لم نقبله فِكريّا ، وهذا باعتِقادي سبب انحِدارنا نحو الهاوية.
