أربعون دولة تحتشد في حلف مقدس ضد الحل الداعشي في العراق وسورية، وهناك دول أخرى تمتنع عن الدخول في الحلف لاعتبارات غامضة كتركيا التي سمحت لداعش ومثيلاتها بالحركة بما في ذلك جلب المتطوعين والسلاح وبيع النفط في السوق السوداء، وهناك دول ترغب في دخول الحلف لكنها لا تحظى بالموافقة، كإيران التي زجت بميليشياتها لقتال داعش وللدفاع عن النظام الطائفي العراقي، وكنظام الأسد الذي لم يعترف إلا بالدواعش كمعارضة وأنكر كل ألوان المعارضة الشعبية السلمية التي ملأت الشوارع وساحات المدن والبلدات، هذان النظامان الممانعان والداعمان للمقاومة اللذان ملآ الدنيا بضجيج رفضهما لكل أنواع التدخل الامبريالي، ها هما ينشدان الانضمام للتدخل الامبريالي في طول وعرض المنطقة دون نتيجة حاسمة. وقد يتم استيعابهما في الحلف بشكل وبآخر كما درجت العادة في استيعاب إسرائيل التي لها باع طويل في هذا النوع من التدخلات والأحلاف منذ حرب الخليج 1991 مروراً بغزو افغانستان والعراق دونما جلبة أو ضجيج.
أربعون دولة تحتشد بجيوش وأساطيل وأحدث الطائرات وصناديق المال لمحاربة 10 آلاف شخص، كانوا يتلقون الدعم والتسهيل والتواطؤ من قبل دول في الحلف الأميركي المقدس. كان الدواعش يقتلون وينكلون ويفرضون سلطاتهم الظلامية على المواطنين بأشد الأساليب وحشية في العديد من المدن والبلدات السورية، ولم تتحرك دول الحلف منفردة ولا مجتمعة. كان الدواعش يعلنون الحرب على كل الفصائل المعارضة وبخاصة الوطنية الديمقراطية ويسحقونها على الأرض وينكلون بقادتها وعناصرها شر تنكيل ولم تحرك دول الحلف ساكناً. عندما اقترب الدواعش من المصالح الحيوية الأميركية والغربية "النفط" وحراساته المحلية، بدأ الناطقون من أعلى المستويات بدءاً بالرئيس أوباما يتحدثون عن الجرائم الوحشية والبربرية وعن الخطر الذي يهدد شعوب المنطقة، وعن ضرورة هزيمة هذا الخطر. وفي السياق مددت دولة الاحتلال الإسرائيلي خطها الأمني "الدفاعي" إلى الحدود العراقية الأردنية.
لماذا جرى تضخيم الخطر وافتعال عدو كبير كان مسكوتاً عنه ومدعوماً بشكل وبآخر إلى وقت قريب؟ لقد أخفقت الحرب ضد الإرهاب التي قادها بوش الابن. تمخض التدخل في أفغانستان عن عودة متوقعة لسلطة طالبان المستبدة بعد فشل بناء سلطة مستبدة وتابعة. وتمخض التدخل في العراق عن بناء نظام طائفي برجل واحد "المالكي" وحزب واحد يسيطر منفرداً على القضاء والشرطة والجيش وأجهزة الاستخبارات وموارد النفط ووزارة المالية والبنك المركزي"، كما يقول الصحافي البريطاني ديفيد هيرتس. هذا النظام الطائفي الذي اتبع سياسة الجمع بين الولاء لطهران وواشنطن، اشعل فتيل الحرب الأهلية التي كان من نتائجها خروج تنظيم داعش الى الصدارة. إن الإخفاق الأميركي في السيطرة المباشرة بالاحتلال وبالسيطرة عبر نظام وكيل للمصالح إلى السيطرة عبر دعم الحرب الأهلية وتشكيل الأحلاف مع الأنظمة وهو ما أطلق عليه "الفوضى الخلاقة". أصبحت الحرب ضد داعش أولوية أميركية وغربية وعربية، بعد ان نجح الحلف في قطع الطريق على الثورات الشعبية العربية. ستستغرق هذه الحرب 3 سنوات كما قال اوباما القائد العام للحرب، يليها 5 سنوات إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإعادة بناء وتسليح الجيوش المنهارة. وقبل ان ينتهي تسليح جيوش الأنظمة التي تم إنقاذها سينبثق تنظيم جديد يرث القاعدة وداعش، وسيتولى الرئيس الأميركي الجديد تشكيل حلف جديد لمحاربة الإرهاب الجديد، وبهكذا أسلوب خلاق يتم الحفاظ على المصالح الحيوية الأميركية والغربية.
كيف ستنعكس الحرب ضد داعش على القضية الفلسطينية؟ ذلك السؤال المهم. كانت حكومة نتنياهو سباقة إلى وضع ملف القضية الفلسطينية في الادراج باعتبارها قضية ثانوية يتم حلها من طرف واحد بمفهوم لا يختلف كثيراً عن مفهوم داعش وبممارسات إسرائيلية شبيهة بممارسات داعش في المضمون. دولة إسرائيل تطرح دولة يهودية يتم التمييز فيها ضد غير اليهود، ودولة داعش أعلنت دولة إسلامية طردت من داخلها غير المسلمين. دولة إسرائيل لا تعترف بالقانون الدولي والشرعية الدولية والمعاهدات والاتفاقات الدولية في صراعها مع الشعب الفلسطيني، وبفعل الإنكار تستبيح الأرض وتنهب الموارد وتفرض بالقوة حكم ابارتهايد العنصري على الشعب الفلسطيني. ودولة داعش لا تعترف بالقانون الدولي ومتفرعاته وتعتبر كل شيء ملكاً لدولتها العتيدة. دولة الاحتلال ارتكبت وما زالت ترتكب جرائم حرب بحق الابرياء بحسب التقارير الدولية وشهادات الضحايا والباحثين والمؤرخين. ودولة داعش ترتكب جرائم حرب وفظائع قطع الرؤوس. دولة الاحتلال مارست التطهير العرقي سابقاً وتمارسه الآن في مدينة القدس وضواحيها، ودولة داعش مارست التطهير العرقي ضد المسيحيين وكل من هم غير مسلمين. دولة الاحتلال تتغاضى عن المنظمات العنصرية والفاشية أمثال "منظمة لهافا" و"شبيبة التلال" وغيرها من المنظمات التي تستولي على بيوت فلسطينية وتقتلع وتحرق الأشجار وتمارس الاعتداءات الجسدية على المواطنين وترهبهم وترفع شعارات "الموت للعرب". ودولة داعش تستبيح حقوق كل المواطنين الذين لا يلتزمون بتطبيق شعائرها المتزمتة. في المضمون ثمة ما هو مشترك بين الحل الذي تقدمه داعش لشعوب المنطقة والحل الذي تقدمه إسرائيل للشعب الفلسطيني.
أما الفارق فيتجلى في إجماع النظام الدولي على رفض الحل الداعشي للشعبين العراقي والسوري وشعوب المنطقة، وفي إعلان الحرب على هذا الحل العدمي الاستفزازي. مقابل تغاضي النظام الدولي عن النسخة الإسرائيلية من الحل الداعشي للقضية الفلسطينية، ليس فقط التغاضي بل ومعاقبة الشعب الفلسطيني والحركة السياسية والوطنية بسبب رفض ومقاومة هذا الحل العدمي البشع.
لقد حددت إدارة اوباما أولوية الحرب ضد داعش، ووضعت قضية أطول وأبشع احتلال على الهامش، هذا الموقف ليس خطأً فنياً ولا موقفاً طارئاً ومؤقتاً، إنه الموقف المتماهي مع السياسة الإسرائيلية سابقاً والآن. ولم يعد البقاء في المسار السياسي الذي تتحكم فيه الحكومات الأميركية مقبولاً ولا مبرراً. إن المشاركة الفلسطينية في الحرب ضد داعش تبدأ بالخروج من المسار الأميركي والدخول في مسار مستقل تشارك فيه الشعوب العربية وكل القوى المناهضة للحرب والعنصرية والهيمنة والنهب في العالم. الآن الآن وليس غداً.
الحل "الداعشي" في فلسطين
تاريخ النشر : 2014-09-16 17:59
