غزة-نوى- شيرين العُكة:
خلف العدوان (الاسرائيلي) الأخير مأساة، سوف تلقي بظلالها لوقت طويل على أهل القطاع، كهروب الأُسر من المناطق ذات الخطورة البالغة بحثًا عن ملجأ آمن، غير أن نفس ظروف المعاناة تقع مضاعفًة على كاهل مؤسسات ودور الرعاية لذوي الاحتياجات الخاصة، و"معهد الأمل للأيتام" نموذجًا.
العاملين في هذا القطاع الاجتماعي واصلوا دورهم كما تشير "نهى العطاونة" مديرة العلاقات العامة "أن المعهد والعاملون فيه لم يتوقفوا عن العمل منذ بداية الحرب"، وأضافت خلال حديثها لـ (نوى) "في بداية الحرب تركنا خيار بقاء الأطفال من عدمه في المعهد لذويهم، خوفًا على أرواحهم، فقررت كل عائلة الحضور واستلام أطفالها، وتم إفراغ المعهد من الأطفال".
يذكر أن معهد الأمل مؤسسة خيرية يزيد عمرها عن ستة عقود، تقوم على توفير الرعاية التربوية والتعليمية والاجتماعية للأيتام والأسر المُعْدمة؛ التي لا تجد من يعيل أطفالها.
وتابعت العطاونة : "أغلب العائلات التي تسكن شمال القطاع أو جنوبه اضطرت للنزوح إلى المدارس بسبب شدة القصف، ومع ذلك تعرضت مدرسة أبو حسين شمال غزة للقصف وهي إحدى الملاجئ التي نزحت إليها عائلة (الشنباري) والتي يتبنى المعهد عدد من أبنائها".
وأسفر القصف عن استشهاد الطفل علي الشنباري (10 أعوام)، وإصابة إخوته منار وإبراهيم إصابة حرجة، مما استدعى الإدارة لاتخاذ قرار تأمين المعهد بالتواصل مع الصليب الأحمر لإبلاغ (إسرائيل) بأن "معهد الأمل للأيتام" سيكون بيت إيواء، ويجب عدم تعريضه للقصف والأذى.
وأضافت "تم إحضار جميع العائلات لمقر المعهد، كما انضمت إليهم عشرات العائلات من حي الشجاعية ومناطق متفرقة من غزة".
ننتظرهم لنحتضنهم
رويده كساب مشرفة قسم الفتيات في المعهد، أخبرت "نوى" أنها كانت تتصل بشكل متواصل بالأهالي لتطمئن على الأطفال، وقالت "في 24 من أغسطس الماضي حين تعرضت مدرسة أبو حسين شمال غزة للقصف، أجريت وزملائي في العمل عدة اتصالات، وكنا نحدث بعضنا بخوف وبقلق، لعملنا المسبق أن عائلة "الشنباري" من النازحين لهذه المدرسة".
وبعد أن أفادت الأخبار بوقوع إصابات وشهداء في صفوف "الشنباري"، قالت كساب "توجهت وطاقم العمل مباشرة إلى المستشفى للبحث عنهم، فعلمنا باستشهاد علي، ووجدت طفلتي منار (15 عامًا) في غرفة العناية وقد بترت قدميها، بينما كان إبراهيم (11) مفقوداً".
وكساب التي تُعرف بتمتعها بشخصية حديدية أثناء العمل، تحدثت لـ "نوى" بحزن وضعف وذلك لشدة ما رأت "صُدمت عندما رأيت منار مبتورة القدمين، أسرعت إليها وأخذتها في حضني وأخفيت وجهي كي لا ترى دموعي فتضعف، كما حضرت معلماتها في المعهد كي لا تشعر بالوحدة؛ ذلك أن والدتها قضت شهيدة في قصف المدرسة".
وأفادت بأنه تم العثور على إبراهيم وقد أصيب في أمعائه وتهتكت قدمه مما استدعى سفره للعلاج في الخارج.
وتعرضت كساب لمواقف صعبة أخرى، حيث تواصل معها أحد الوسطاء قبل العدوان لإجراء كفالة لطفل من ذات العائلة "الشنباري"، وتجدد التواصل خلال العدوان ليطلب الوسيط رقم تواصل مع أم الأطفال، فأجابته آسفة " لقد استشهدت الأم"، فما كان من الوسيط إلا الاعتذار عن إكمال المكالمة وتأجيلها لوقت لاحق.
وأكدت على أن المعهد سيبقى ملاذًا لهؤلاء الأطفال في كل الظروف، قائلة "نحن ننتظر عودة إبراهيم ومنار اللذان سافرا للعلاج في الخارج، وسنحتضنهم كما في السابق، فالمعلمات والمعلمون في المعهد أمهات وآباء لجميعهم".
حرمونا متعة الإجازة
"أنا زعلانة على منار وعلي وإبراهيم (حزينة لأجلهم)، كنت ألعب معهم، وعلي كان يلعب الكورة دائمًا" قالت دعاء أبو عصر (13 عامًا) وهي من الأطفال المقيمين في المعهد، وأضافت "منار بنت حلوة ومثل أختي وإبراهيم أيضًا أخي، ومنار الآن ليس لديها أرجل تمشي عليهما"، صمتت ثم تابعت ببراءة وطيبة "أنتظر رجوعهما للملجئ، كي أساعدهما على تلبية طلباتهما واحتياجاتهما، المهم أن يعودا قريبًا".
وكانت الطفلة أبو عصر تتابع الأخبار وترى المجازر الصهيونية بعينيها، وأخبرت "نوى" أنها لم تعد تخشى مشاهدة صور الدمار والشهداء، لأن مجرد السماع عن هذه المجازر يقلقها وتبقى تفكر طويلاً فيما يحدث، لذا تغيرت عادتها عن العدوان السابق عام (2012) وأصبحت تصر على المشاهدة لترى حقيقة ما يحدث.
بينما تمتنع فاطمة أبو عيادة (12 عامًا) عن مشاهدة الأخبار فهي لا تتحمل مشاهد الدم والدمار، مبينًة أنها أمضت وقتًا طويلاً خلال العدوان في بيت المديرة كساب وذلك لعدم تمكن أهلها المقيمين في مدينة رفح جنوب قطاع غزة من الحضور واستلامها.
وقالت "كنت أسمع صوت القصف وأهرب إلى حضن المس رويده، أنا أخاف ويجب أن يكون أحدهم إلى جانبي"، وعبرت الطفلة أبو عيادة لـ "نوى" عن سرورها لبدء العام الدراسي، فهي تجده أفضل من البقاء دون عمل شيئًا مفيدًا.
وحرم العدوان الطفلتان دعاء وفاطمة و(120) يتيمًا آخر من قضاء إجازة صيفية ممتعة، يعُدها "معهد الأمل" كل عام ويتراوح برنامجها بين الدورات التعليمية والترفيهية والرحلات والرياضة، وبحسب إدارة المعهد فإنهم يحاولون دعم الأطفال نفسيًا من خلال فريق مختص، كي يجتازوا مرحلة العدوان الصعبة التي عاشوها وفقدهم لزميلهم علي وإصابة إخوته.
واستمر العدوان الذي بدأ على قطاع غزة في 8 من يوليو 2014 (51 يومًا)، راح خلاله نحو (2137) شهيدًا، منهم( 577) طفلاً، وجرح نحو (11100)، منهم (3374) طفلاً، وذلك بحسب إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية بغزة.
