اوسلو
تاريخ النشر : 2014-09-10 14:55

لا تبهرني الأمكنة الفخمة كثيرا، فأنا أعيش في دبي منذ نحو عقدين. ودبي، لمن لا يعرفها، مدينة حديثة، تضاهي مبانيها العالية وشوارعها المصقولة وحدائقها الفسيحة، كثيرا مما يمكن أن تراه في مدن العالم الأول. بل هي تتفوق على كثير منها في مرونة خدماتها، وسهولة الاندغام في إيقاعها العام، أو النزوح عنه – إذا ما أردت ذلك - الى شأنك الخاص.

ما يبهرني بالدرجة الأولى، عادة، هو الإنسان.

وخلال زيارتي السريعة الى اوسلو تحت جناح طيران الإمارات، بصحبة نخبة من الإعلاميين، الأيام المنصرمة، رأيت صورة للانسان، هناك، أعترف بأنها أدهشتني كثيرا، ومنحتني زاوية نظر جديدة الى العاصمة النرويجية، التي ارتبط اسمها بهتانا بالاتفاق سيئء الصيت بين الفلسطينيين وا(لاسرائيليين)، في تسعينيات القرن الماضي.

توصف النرويج بأنها إحدى أكثر دول العالم ثراء. ولكنها حديثة العهد بالدخول المرتفعة، إذ ترافق ذلك مع ظهور النفط قبل حوالي 40 عاما. لكن الشعب النرويجي – الذي يرتدي غالبية افراده الثياب الرسمية خلال توجههم الى أماكن العمل، ويحرصون على الظهور في أعلى درجات الأناقة في النصف الثاني من النهار- يبدو بعيدا تماما من مظاهر الإسراف، أو الترف الذي تولده الرغبة في المباهاة.

خلال أيام قليلة، ستلاحظ أن لديهم طريقة مختلفة عما عهدته في التعامل مع الوقت. "الوقت سيف" تبدو لي الآن مقولة نرويجية. هناك فرصة لإنجاز شيء ما، دوما، ما دام لديك ما يكفي من الوقت.

ستلاحظ أيضا أن النرويجيين مضيافون، فقد تعاقبت جهات عدة على توجيه الدعوات لنا، وكانت إحداها من ادارة الفندق الذي نزلنا فيه نفسه.

كما ستعرف أن ثمة ميلا متناميا بين السكان، هناك، الى استخدام السيارات التي تعمل بالكهرباء، على الرغم من ثراء دولتهم بالنفط، إدراكا منهم لأهمية حماية البيئة التي يعيشون فيها.

صحيح أن التحول لا يزال في مراحله الأولى، ولكنك تعجب من مسارعة الدولة الى تخصيص مواقف لشحن المركبات كهربائيا في كثير من مناطق العاصمة، تحفيزا لمواطنيها على الانتقال الى هذا الخيار الحضاري.

الى ذلك كله، لن تصادف شخصا واحدا يقلب أزرار هاتفه خلال جلوسه بين آخرين، إلا ليجري مكالمة أو يرد على أخرى. وإذا سألت عن اهتمام الإنسان هناك بالشأن العام، في محيطه، أو ما وراء محيطه، فيكفي أن تعلم أنهم يطلقون احتجاجاتهم في الهواء الطلق، ويسيرون المسيرات في الشوارع العامة، لا على دروب الفيس بوك.

وقد صادفت شخصيا، خلال يومين، مظاهرتي احتجاج نرويجيتين على وحشية (الاسرائيلي) في غزة.

أخيرا، يجب الاعتراف بأن البرنامج الذي اعدته طيران الإمارات لنا، وتصدى الصديق حاتم عمر لتنفيذه بأناقة بالغة، كان مكثفا الى حد أن أحد زملائنا قال إنه شعر بأن الأيام القليلة التي قضيناها في اوسلو، ناهزت أشهرا. ولكن الحقيقة أن حرص مضيفنا على الاستفادة الكاملة من الوقت منحنا تجربة استثنائية