غزة-نوى "اميره ابو شليح"
وسط أكوام الركام المحيطة بالمكان من كل جانب والتي توحي إليك أن المكان قد تعرض لزلزال عنيف أتى على المنطقة بأكملها ، البيوت مدمرة تدميرا كاملا ، يتوسطها بقايا مسجد وفي قرية الزنة ببلدة بني سهيلا في خانيونس بقطاع غزة ، وبالقرب منه بقايا منزل أتى الدمار على معظم أجزائه.
قرب جدرانه المنهارة وسقفه المحترق ومحتوياته المدمرة ، تجلس سيدة أربعينية يحيط بها بناتها وأحفادها ، اغتنمت فرصة التهدئة لخمسة أيام لتفقد منزلها ، فتصاب بالصدمة والحسرة والألم والمرارة على هول ما رأت من دمار واختفاء لكل معالم الحياة أمامها.
تقول أم يوسف رضوان وهي أم لـ 7 أبناء ، 3 بنات و4 شباب :"إنها أصعب حرب تمر علينا، فقد قصف بيتي في عدواني 2009 و 2012، الا أن هذا العدوان هو الأكثر شراسة ووحشية وجنوناً، فنحن كنا نشاهد الموت بأعيننا ونتوقعه في أية لحظة".
ليلة الاجتياح
وتقول أم يوسف :"في اليوم السادس عشر من أيام العدوان الصهيوني، حيث كنا نسمع دوي أصوات الانفجارات الكثيفة في كل مكان وصراخ الأطفال من حولنا يعلو خائفين مرتعبين من شدة القصف الذي زادت حدته في تلك الليلة".
بدأ صوت القصف يملأ الحياة وأخذ يتصاعد صوت الانفجارات بشكل مخيف وأخذ الوقت يمر، وبدأت بناتي وأزواجهن وأبنائهن والأهل القاطنين حولنا والجيران يتوافدون الى بيتنا.
فوضى عارمة في كل مكان، أطفال يبكون، نساء تقرأ القرآن، قلق وتوتر كبيرين، قصف عنيف ودخان أسود وغبار يملأ المنطقة، أضيء المكان بقنابل ألقاها جنود الاحتلال ليحوّل الليل الى نهار ، فارتفعت موجة بكاء حاد من الأطفال الذين أخذوا يتشبثون بأمهاتهم ويصيحون .." يما حنموت".
اضطررنا لمغادرة المنطقة تحت القصف والنار الذي أدى الى استشهاد اثنين من أبناء العمومة الى "صالة أفراح " على مداخل بلدة عبسان الصغيرة والتي اكتظت بالنازحين من طالبي النجاة، كان الذعر يسيطر على الجميع، هدأ صوت القصف قليلاً فخرج رجلان من أبناء العائلة الى بيتنا لإحضار بعض الحاجيات، فاستشهدا بقذيفة هزّ صوتها المكان بأكمله، كما استشهد المسعف الذي حاول الوصول للمكان.
وتكمل:"بقينا في عبسان الصغيرة حتى هدأ القصف قليلا ، فخرجنا وسط حالة من الخوف والهلع وتحت القصف العشوائي عند بعض الأقارب في رفح بينما بقي أبنائنا وشبابنا ورجالنا الشجعان في البلدة لحمايتها والدفاع عنها".
مذبحة الأونروا
تتابع أم يوسف :"رحلنا الى مكان اعتقدنا أنه أكثر أمان، تشردنا وتجرعنا الألم والمعاناة، أنظر الى عائلتي المشردة فأبكي حسرة على ما آل اليه حالنا، وصلنا الى أقاربي القاطنين في الحي السعودي 1 والذي يطل على احدى مدارس الوكالة الذي تحول الى مراكز لإيواء النازحين ..
تعود أم يوسف الى مشهد انطبع في ذاكرتها في الحي السعودي، صواريخ تطلقها طائرات الاحتلال الصهيوني على المدرسة التي تؤوي آلاف النازحين فتوقع أكثر من 15 شهيد ومئات الجرحى".
بحرقة وبغضب، تصف أم يوسف المشهد :"مئات النازحين الذين احتموا من لهيب الشمس الى جدران الظل، ومنهم من بالصفوف وهناك من يلهو مع الأطفال بالساحة، وسيدة في ركن بعيد ترضع طفلها الصغير... حين اطلقت طائرات الاحتلال صاروخاً فحولتهم الى أشلاء، وغرق المكان برائحة الدم والبارود".
ورغم كل هذا، وبكل الإصرار والتحدي، تؤكد أم يوسف التي تجلس في فناء بيتها الذي يتوسط الركام، :"إنّا هنا باقون، على هذه الأرض، نتوق للحرية والكرامة، ورغم كل الدماء النازفة وآلة الدمار والارهاب فان الحق معنا ومنتصرون على الصهاينة المجرمون وسنفدي وطننا بحياتنا وأبنائنا".
