سمر تقاوم الاحتلال من "نقطة الصفر" وسلاحها .. قلم
تاريخ النشر : 2014-09-03 13:21

غزة-نوى-حاورتها: شيرين العُكة

نعيق الطائرات في سماء غزة لا يتوقف، وما بين الفينة والأخرى صوت انفجار، يخيّل للناظرين للوهلة الأولى أنه برق في السماء، لكنّها الهبة الانفجارات المتصاعدة نتيجة القصف "الإسرائيلي" على مدينة غزة. وما بين الحرب الشعواء تجلس صحافية على قارعة الطريق تحرر أخبارًا وترسلها للمراسلين.

الصحافية سمر شاهين، لم تكن تتخيل يومًا أن "مهنة المتاعب" ستحكم عليها بعقوبة الجلوس تحت مرمى الصواريخ، والبقاء على جهازها الحاسوب "لاب توب" أسيرة تحرير الأخبار، وتغطية العدوان "الإسرائيلي" على غزة، والذي استمر لـ51 يومًا.

" كنت أعمل طيلة اليوم ولا أفارق جهاز الحاسوب، وبعدما قصف الاحتلال محطة توليد الكهرباء، سعيت لتوفيرها بأي وسيلة، فمددت خطًا كهربائيًا من المسجد المجاور لبيتي لأتابع عملي". وتضيف الصحافية سمر " الجميع في منطقة سكناي همّه الوحيد تسهيل مهمتي الصحفية، وايصال المعاناة، فكانوا يوفرون الكهرباء لي بقدر استطاعتهم".

ماذا أفعل ؟

محاولات إيجاد خطٍ كهربائي لسمر يدخل خط المنافسة بين الجيران، مبدوءًا بـ "جار الهناء" صاحب محلٍ للمأكولات الشعبية، إلى المسجد المجاور لها. لكنّ حدثًا أوقف جميع الإمدادات من الكهرباء، في وقتٍ كانت أشد حاجة لها، لتغطي انتهاكًا جديدًا للاحتلال بحق الغزيين. فبقيت تتساءل بين نفسها لدقائق .." ماذا أفعل؟".

توصلت الصحافية سمر لإجابة على سؤالها فتقول " كان الظلام دامسًا في احدى الليالي، والانفجارات تتوالى، وأود متابعة الأحداث وارسالها لصحيفتي –فلسطين، وتصدر بغزة يوميًا- لكن جميع خطوط الكهرباء مقطوعة، وجهازي الحاسوب –لاب توب- كان مشحونًا قليلًا، فاستطعت الدخول على احدى شبكات الانترنت، بعدما جلست في الشارع لالتقاط الإرسال".

قد يبدو الأمر هينًا أن تخرج امرأة في الشارع، لكنّه معجزة في ظل سقوط مئات الأطنان من المتفجرات بين الدقيقة والأخرى، والجميع في غزة كان تحت الاستهداف. تشرح سمر " خرجت للشارع حتى ساعات متأخرة من الليل لتغطية الاعتداءات الاسرائيلية، ومتابعة صفحات العدد الجديد الذي كان من المقرر أن يصدر في الصحيفة، ولم أبرح الشارع حتى أنهيت عملي على أكمل وجه".

كانت تلك الدقائق هي التحدي الأكبر لسمر، فمع كل صوت انفجارٍ يتسلل إلى نفسها تساؤلًا "هل ستطالني هذه الصواريخ وأنا أرسل الأخبار، أم بعد الانتهاء منها؟". وكأنّها نشوة النصر بعدما أنهت عملها ولم يطالها أي قذيفة من حمم "إسرائيل" القاتلة.

سمر وهي في العقد الثالث من عمرها، تقلدت مناصب عدّة في عملها الذي بدأت به كـ"صحافية" منذ ثمانية أعوام، من رئيس قسم المحليات إلى سكرتير التحرير، وتُتابع مع رؤساء الأقسام وتراقب إلى أن يتم طباعة أولى صفحات جريدتها اليومية و"بيتها الثاني" "فلسطين".

كانت عينا سمر ترصد الانفجارات، وأذناها تترقب سماع صوت الاهتزاز، لتدوّن كل جديد عبر قلمها ودفتر "نوتة" صغير، في حال إفراغ جهازها "لاب توب" من الشحن، ولم تكن وحيدة العمل بذلك، بل انضمت إلى خيمة الصحفيات بمجمع الشفاء الطبي بغزة، فتقول " عملنا من بيوتنا ومن الشوارع ومن كل مكان أتيحت لنا الفرصة خلاله، وبعد تسهيلات وزارة الإعلام انضممت لخيمة الصحفيات بمستشفى الشفاء، وعملنا ضمن كادرٍ واحد، وكل فتاة تغطي لوسيلتها الإعلامية".

هاجس قصف المؤسسات الصحفية بدأت شعبته تتسع تدريجيًا، بعد قصف طائرات الاحتلال لأبراج وعمارات سكنية، كونها تتضمن مؤسسة إعلامية، لا سيما إن كانت موالية للمقاومة، فكان التحدي الآخر لدى سمر أن تكثف جهدها وتتواصل مع جميع كادر العمل لطرح الأفكار والقصص لإرسالها على الموقع الإلكتروني الخاص بـ"جريدة فلسطين".

توضّح سمر آلية طباعة الجريدة أثناء العدوان بالقول "لم تصدر الجريدة ورقياً في بعض أيام العدوان، للمخاوف من تعرض المطابع للقصف (..) لكنها لم تتوقف يوماً واحداً من الصدور الكترونيًا، كما كنّا نستغل أي هدنة يعلن عنها ونصدر فيها الصحيفة ورقيًا".

انتهت الحرب .. وسنبدؤها نحن

صور القصف، ومشاهد النازحين، وأصوات الثكالى والأرامل، ودماء الشهداء، واحتراق ألعاب الأطفال، وانتهاك حرمة عيد الفطر، كلّها كانت حاضرة في قلم سمر، لا سيما الزيارات الميدانية التي تجريها غير آبهة بالقصف "الإسرائيلي" فتذهب للحدث لتجري المقابلة من "مسافة الصفر".

تنهي سمر حديثها " يقولون إن الحرب انتهت، لكنّها بدأت من جديد، فغزة بحاجة لمن ينقل رسالتها للعالم وقت السلم والحرب، لإظهار المعاناة وفضح جرائم الاحتلال المتواصلة، و كان آخرها "الهولوكوست" بحق أهل غزة (..) سنبحث من تحت ركام المنازل وفي الشوارع والمستشفيات لنسرد حكايات الألم.. والأمل في قلوب الغزيين".