أمي
تاريخ النشر : 2014-08-28 06:14

أتذكرين الصباح النديّ بضوء خفيف،عندما خرجت برفقتك لحقلٍ بعيد تتوسطه بئر عميقة ومهجورة، قلّت لي يومها حكايات كثيرة عن البئر وأنت تخلعين نباتاً طريّاً بلون أخضر فاتح، سيصير فيما بعداً حادّ الشوك ويجفّ مصفراً حاذق الطعم.

كانت حكاية البئر والأسرار أكثر ما شدّني ،دنوت من فوهته الصغيرة وأطلقت صوتاً فارتد لي بعد قليل عميقاً ومنغماً ،أسقطت حجراً سمعنا صوت ارتطامه بالماء بعد فترة زمنية بدت لي طويلة جداً .

هنا يدفنُ الناس أسرارهم، ما عجزوا عن قوله وما اختاروه ليكون رفقة القبر،قلت بثقة.

كانت أسراري صغيرة وساذجة لا تليق بعمق البئر المهاب، وكنت وإياك نستجلب الحياة بتعويذات غريبة ونذور كثيرة، لاحقاً أدركت كمّ غرست فيّ من أسرار، علّقت في قلبي تمائم كثيرة، قلت:" لتحتملين الدنيّا فهي أضيق من أحلامك ولا تكفي لتوفي نذورك".

سأحملُ نذوري لشجرة الخروب في الجبل وأسقي طيوراً جارحة، وأدهنُ كما رغبت قبّة المقام بلونٍ أخضر، وأملأ أبريق الفخار بالماء ،ضحكت كثيراً وعجبتٌ من إصرارك على كنسِ مقام مجهول في قمّة الجبل، ومثلك يا أمي سأربط على على شجرة الزيتون شرائط حريرية خضراء، لروح من رحلوا بعيداً دون وداع ،سأقبل المقام وأفرد كفي على الباب وأرحل سريعاً ، حتى لا أعكر صفو النائمين ،ولا أخدش وقع خطوتهم إذا مرّوا ومسحوا فوق كفي بركة خفيفة ،فلا تحتمل خفتهم كثرة الكلام، كأن في الصمت الطويل صلاة لا تنقطع، وفي غيابهم كثافة الحضور، فلا تخافي قلبك إن ارتجف قليلا ،يمرون من هنا،دوماً يمرون من هنا،تؤكدين.