لو لم تكن تعلم، لاعتقدت انك تقف امام طفل كسول نائم بعمق.. عيناه نصف مغمضتين ويداه محايدتان... هادئا ومستلما لحلم جميل .. لا يشبه احلام الكبار، لم توقظه حتى اللحظة اضواء عدسات الات التصوير ولا صمت الزائرين الذين فضلوا ان لا يزعجوا الطفل النائم بثرثرة لا داع لها.
ليس من دلالات ومن علامات على غير ذلك. الا ذلك المكان اللعين، وزائر تلطخت ثيابه بالدماء وعيناه محمرتان، والا ان الوقت ليس وقف نوم الاطفال الذين افاقوا مبكراً وطردتهم امهاتهم ليمارسوا شقاوتهم في ازقة المخيم.
يأخذك المشهد فجأة لحاله وجودية والى عالم اللامعقول فترفض ان تصدق اذنيك وعينيك وتنكر المكان والزمان ونتقدم نحو سرير الطفل الناعم وتقرصه في خده وتصرخ.
قم ايها الولد الكسول وحدثني..
-طخوني اولاد الكلبة"..
اولاد الكلبة؟ سالت نفسي اذا كان في قاموس الطفل وصفا اخر غير اولاد الكلبة، مثلا: قتلة الاطفال او ... انا حقيقة لم يحضرني توصيف اخر.. ومهما كان الأمر فلن انسى نفسي ولن انسى انني احاور طفلا لم يطلع بعد على عالم المصطلحات ولم يتقن بعد لغته العربية .فرسب اكثر من مرة في الاملاء والقواعد والتعبير.. كنت سأسله لماذا يقتل اولاد الكلبة الاطفال ولماذا قتل "الجيش اكثر اخلاقية في العالم" مئات الاطفال في غزة... كنت سأسله اسئلة كثيرة... لكنه طفل لم يتجاوز الحادية عشرة وربما لانني كنت متعجلا وسيدركني الوقت قبل ان تغيب الشمس.
عدت الية ومسحت برفق على وجهه وسألته: لقد علمت ان الطلقة اتتك من الخلف.. اليس كذلك؟
اغمض الولد جفنيه موافقاً..
-اه .. اذن فقد كنت هارباً ، ويقال ان الجنود في المعارك الذين يصابون في الظهر هم الجنود الهاربون الجبناء.. يعني انك كنت هارباً ايها الولد الجبان ؟!
استفزته عباراتي الاخيرة، فاحمر وجهه وازاح يدي عنه وتمتم
- اتركني اريد ان انام
-لا.. لا.. لن اتركك قبل ان افهم
-ماذا تريد ان تفهم بعد؟
-لماذا اطلقت عليك النار... ماذا فقلت ايها الولد الشقي..؟
أوه... كم انت مزعج وفضولي..
لقد اخبروك انني كنت هناك في الزقاق الضيق عندما توقف "الجيب"
فجأة وفتح سائقة بابه واطلق طلقة واحدة اصابتني في الظهر.. اوجعتني كثيراً...
لم تكن هناك معركة..خفت ان يترجل السائق ويمسكني فهربت وكنت على عتبة البيت .. انا لست جباناً كما تقول.. ستسمع وترى بعد قليل ... سيأخذوني الى هناك وسيهتفون حولي انني بطلاً... ستزغد أمي.. سيلفونني بعلم.. ربما باكثر من علم واكثر من لون اصفر- اخضر- اسود .. سيتنازعون بينهم وسيقولون .. انا لهولاء او لاؤلئك ... اترى كيف اصبحت مهماً جداً.. لم اكن كذلك قبل وقت قصير.
-نعم .. نعم .. انت مهم ومهم جداً ليس من أحد اكثر اهمية منك الان. اوافقك.
لم ارغب في ان احاوره في ذلك لئلا استفزه مرة اخرى.. كان علي الآن ان اعيده لنومه العميق قبل ان يستيقظ جرحه ويتوجع امامي .. وكان علي ايضا ان اغادر قبل ان يسألني:
ماذا سيحدث بعد ان يأخذوني وهل سيعود الجيش للمخيم، وهل سيذهب الجندي الذي اطلق النار علي الى النار؟
خفت ان يسألني اسئلة كثيرة وصعبة وخفت انني لن اجيبه عليها بصراحة..
تراجعت قليلاً ففهم انني اريد ان اغادر ففتع عينيه وسأل:
الى اين ستذهب هذا المساء..؟
ايها الولد الشقي .. لا اريد ان تقحم نفسك في شؤون الكبار .. انت صغير على ذلك عد الان الى كسلك ولا تنسى انك كنت هارباً...
تنويه:
في صباح يوم 2014/8/10 تسلل جيب عسكري الى مخيم الفوار وتوقف الجيب امام احد ازقة المخيم وفتح سائقه الباب واطلق رصاصة واحدة اصابت الطفل خليل محمد العناتي 11 عاما في ظهره وقتلته على الفور... لم تدر مواجهات في ذلك الوقت وكانت الطلقة القاتلة هي الطلقة الوحدية ذلك اليوم وكان خليل الطفل الوحيد في الزقاق.
