ما بعد الهدنة الثالثة
تاريخ النشر : 2014-08-18 01:44

عن ماذا نبحث في "مرحلة ما بعد البكاء".. عن ماذا نبحث خلال صمت المدافع، وفي الوقت المستقطع المصطلح على تسميته، هدنة أو تهدئة أو وقف إطلاق النار. وجميعها مسميات واشتقاقات لنفس المعنى والفعل، ركن السلاح جانباً ريثما تتحقق المطالب، في رفع الحصار وانسياب طبيعي للبضائع والأفراد، وليس أكثر .. 
التهدئة في عرف أهل غزة، تعني صمت نسبي للمدافع مع ارتفاع منسوب مواجهة الحقائق، وتعني بدء احتفالات تفقد الجسد لتفاصيله، وتعني لدى البعض أن الكبرياء ستراوغ أصحابها عن أنفسهم، وبأن الصراخ سينزلق إلى الرطوبة.
الهدنة في نظر من اكتوى بنار الحرب مباشرة، موعد يتم الإعداد له بدقة، وعادة ما يرافق بدايتها جلبة اعلامية للبحث عن معانيها السياسية، وتودّع بقلق يليق بلزوجتها. الهدنة في معانيها المباشرة تجوال في أفق كشف الحقيقة، وفرز الدمار ما بين كلي وجزئي، وفرصة هادئة لمزيد من التمعن أكثر في مسارات احتضار الآمال. الهدنة فرصة للغرق في التفكير بعدد القذائف القادمة والصواريخ المتوقعة قبل توقيع هدنة جديدة، ومن أجل التقاط الصور التذكارية للضحايا المنتظرين بكامل أطرافهم وآمالهم.
الهدنة في غزة، وقت مستقطع للبحث عن بعض الأوراق الناجية، وتجميع أطراف الصور المطمورة. الهدنة فرصة لإطلاق مواهب الخطابة والرثاء، ولحظة للاحتفاء بحسن حظ البعض وسوء طالع البعض الآخر، وفرصة للاطلاع على ما يفتي به المنجمون والمحللون السياسيون، قبل بدء حرب جديدة.
وفي التهدئة نحيب صامت، بوح ممكن عن الأحلام المقصوفة بالنار، جنازات مسرعة وتجهيز متسرع للأكفان وتبادل التعازي. وهروب فردي من ذكريات الموت وتوثيقه في الذاكرة.
في الهدنة فرصة لأعمال مؤجلة، عرس على قائمة الانتظار، التهنئة بولادة تحت القصف، استئجار بيت مؤقت يستر انكشاف، البحث في مغامرة كسر حواجز الصمت، والتهور في نبضة الحب الأول وتعب الاستعداد لفتح المدارس، وحزن زيارة المقابر الجماعية. 
في الهدنة مساحة إجبارية للأسئلة الحارقة، ووقف التردد وردود الفعل. في الهدنة لا بد من الاستماع للصامت قبل المتحدث. فالصمت لم يعد علامة فارقة للرضا. فللصمت لسان سليط وجوف يائس، الصمت بركان كلام لم ينفجر. وغياب الكلام لا يعني الغفلة والغياب، وقلته لا تعني الجهل أو الخوف.
الهدنة في حساب الاحتلال، فرصة للتملص من الالتزامات والاستحقاقات التي تفرضها المواثيق على المحتل، وفرصة من اجل فرض ما لم يقدر على تحقيقه في الحرب، وفرصة من أجل اقتلاع وانتزاع كل الأسلحة، بما فيها الأسنان والمخالب، وخدعة للعودة لسياسة فرض الوقائع من طرف واحد كأسلوب مفضل لديه، مقابل منح التسهيلات التي يمكن سحبها أسرع من لحظ العين. والهدنة فرصة لتخريب الوحدة الغضة التي تعمدت بالدماء الزكية. 
الهدنة بالنسبة للمتفاوضين فرصة قبل إعلان الفشل، ووقت للتشاور في تجميع أوراق القوة الناقصة، وتحشيد أكبر للقوى في سبيل توسيع الأبواب المغلقة وتحقيق الاختراق دون تقديم تنازلات سياسية. وتمثل المفاوضات اختبار للإرادة وقدرتها على تجسيد وعكس حالة الصمود والتضحيات المقدمة في غزة، على طاولة التفاوض السياسي في القاهرة. 
لقد وضعت الحرب على غزة القضية الفلسطينية أمام تحدٍ كبير، وستساهم في حسم الخيارات المؤجلة والتردد من طريق البدء في فتح معركة إنهاء الاحتلال على مصراعيها، فغزة، لن يكون بمقدورها أن تتحرر في مفاوضات التهدئة، ولن تهدأ جراحها دون حريتها وسيادتها في إطار الحرية والاستقلال الناجز.