موت الثقافة الوطنية...موت فلسطين
تاريخ النشر : 2014-08-16 03:24

قبل أعوام قليلة، قمت مع الملحن عودة الترجمان بعمل أغنية، كان الهدف منها أن نضع في الكلمات أبواب المسجد الأقصى كي نسهل على الأولاد حفظها، وذهلنا حين اكتشفنا أن عدد من يعرفون أبواب المسجد الأقصى، أو أبواب القدس أو حتى الفرق بينهما، من الكبار والصغار الذين سألناهم، كان: صفر.

هناك اختلاف بين الدولة والوطن، فالدولة هي بالدرجة الأولى كيان مستقل ببنى تشريعية وسياسية واجتماعية ما، بنظام حكم ما، أما الوطن فليس بحاجة إلى كل هذا، لأنه ينشأ من تأصيل فكرة الانتماء حتى لو لم تكن بقية أركان الدولة قائمة كما هي الحالة الفلسطينية مثلاً، ولكي تتأصل فكرة الانتماء، يجب العمل عليها عند الجيل الناشئ، ليس فقط في المناهج المدرسية، بل في كل مكان حتى في إعلانات الشوارع.

بعد بداية الانتفاضة الأولى بثلاث سنوات، بدأت بعض الفصائل التي كانت الثقافة الوطنية على سلم أولوياتها، بطرح شعار "التحول نحو قوة أولى"، وهذا يعني ببساطة على مستوى الكم لا الكيف، و بعد أن كان الفرد الواحد يمكنه نقاش بلاد بأكملها، أصبحت هذه الفصائل تهتم فقط بعدد المنتسبين إليها، تماماً مثل لايكات الفيس بوك، وأعقبها قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية وتغيير المناهج، وبدأت الثقافة الوطنية في دور مرض طويل أخشى أنه يأخذها الآن إلى مرحلة الموت الحتمي.

ليست الثقافة الوطنية مرتبطة بأن يعرف ولد لاجئ في المخيم أن جده مولود في صفد أو أن أباه كان لديه بيارة في يافا، فهذا في العادة يتم ترديده دون وعي عميق بما يعنيه، بل وأذهب إلى أبعد من ذلك، أن هذا يكون عادة إجابة الأهل السهلة على سؤال الفقر الذي يحيط بالمخيم وأهله، فلو عدنا إلى البلاد يا بني لكان حالنا أفضل، بل ترتبط بما هو أعمق من ذلك، بدءاً من تاريخ فلسطين الممتد منذ مئة وأربعين قرناً، وكل تلك الدول والشعوب والطوائف والديانات التي مرت عليه، إلى قصص النضالات الفردية والجماعية للفلسطينيين، إلى إحياء معنى الذين استشهدوا، ولماذا استشهدوا، وأي وعي يمكن أن يجعل الإنسان يضحي بحياته من أجل أرضه، يمتد هذا الوعي إلى المدن الفلسطينية، جمالها وقبحها، و لا أعني أسطرة التاريخ الفلسطيني، ولا أعني تجريد التاريخ حتى من أخطائنا، إن الوعي بالثقافة الوطنية يجب أن يضع الفتى الفلسطيني في صورة الشعب الطبيعية، لا تلك الصورة المقدسة التي تنكسر في رأسه بمجرد أن يرى أباه يضرب أمه.

فكرة الثقافة الوطنية ليست مرتبطة بمؤسسة، فالأغنية والحكاية الشعبية ورقصات الدبكة والأكلات الفلسطينية والأمثال وحتى الأساطير القديمة والآثار الباقية والثوب الفلسطيني والزيتون والجميز والبرتقال والبحر وغيرها من الحيثيات، حين يتم تعميقها في أرواح أبنائنا، فهذا ضمان على استمرار القضية الفلسطينية التي أضحت في العشرين سنة الأخيرة تناقش قضايا على السطح، وحين أقول على السطح، سأورد مثلاً، فحين يتم الحديث عن القدس، يتم الحديث عن حق الفلسطينيين في أن تكون القدس عاصمتهم، حسناً، لكن لا يتم التطرق إلى هذه المدينة من حيث تاريخها ونشأتها وعلاقة الفلسطينيين تاريخياً بها، فقط يتم الحديث عنها وكأن الجميع يعرفون ما تعنيه، هذا ليس صحيحاً، فهناك الكثيرون من الفلسطينيين كباراً وصغاراً لا يعرفون المسجد الأقصى حتى في الصور، فهم يظنون أن قبة الصخرة الذهبية هي المسجد الأقصى مثلاً، وهذا لمسته في النقاش الشخصي وليس تحليلاً، بينما عليهم أن يعرفوا أن هذه هي قبة الصخرة، وأن المسجد الأقصى يقع تحت تلك القبة الفضية الأصغر حجماً.

إن السطحية التي يتم التعامل بها مع الثقافة الوطنية، تأخذنا بوضوح إلى مكان لا رجعة عنه، وهو انتهاء فكرة القضية الفلسطينية من روح الشعب الفلسطيني، بحيث تبقى هذه القضية عبارة  عن شعارات كبيرة فارغة المحتوى.

في أكثر من مرة اقترحت على مؤسسات المجتمع المدني مثلاً، أنهم عندما يعقدون ورشات العمل ذات التكاليف العالية، أن يستعينوا بالنساء الفلسطينيات البسيطات عندما يرغبون في تقديم الوجبات في هذه الورشات، أن يدفعوا لهن لكي يصنعن المفتول والمناقيش والمخللات الفلسطينية وحتى البسارة والمجدرة والمقلوبة، بدلاً من الطعام الفاخر الذي يأتون به من المطاعم، وكانت فكرتي لا تذهب فقط باتجاه مساعدة هؤلاء النساء البسيطات، ولكن أيضا لتعزيز جزء من الثقافة الوطنية المتمثلة في الأكلات الفلسطينية، وأظن أنه لا أحد فعل ذلك، والسبب واضح.

شخصياً لا أؤمن بأي مناضل سواء كان يطلق الرصاص أو يتحدث في السياسة، طالما لم يكن لديه إيمان حقيقي بثقافته الوطنية، فمن أجل ماذا نناضل إذا كانت الثقافة الوطنية لا تسند حركتنا؟ أليست السويد وقتها أجمل من فلسطين للحياة؟ أنا شخصياً لا أحب فلسطين لأنها جميلة وخضراء وفيها مقدسات، بل لأنها ببساطة بلادي، التي تكون دمي من برتقالها وتكونت ذاكرتي من بحرها، وحتى لو كانت بلاداً جرداء أو بلاداً بلا مقدسات إسلامية أو مسيحية، ولو كانت مملوءة بالعقارب والحيات، سأحبها أيضاً، لأن هذا هو المعنى الحقيقي لأن تكون فلسطينياً، كما هو المعنى الحقيقي لأن تكون مصرياً أو جزائرياً، وحين تفقد الأجيال الجديدة إحساسها بهذا المعنى، فكيف يمكننا أن نطلب منهم أن يكونوا فلسطينيين منتمين إلى بلادهم، إلى وطنهم قبل أن ينتموا إلى دولتهم سواء وجدت هذه الدولة قريباً أو لم توجد، فهناك الكثيرون ممن اعتادوا على العيش من وراء الرثاء، ولا يريدون تغييراً لهذا الوضع، فأصبحت فلسطين لديهم فقط تتمثل في الشهداء والحروب والبيوت المهدومة، ويريدون فلسطين من النهر إلى البحر "شعاراً"، حسناً، قبل أن نفكر في أن نستعيد فلسطين من النهر إلى البحر، علينا أن نفكر جدياً في طريقة لاستعادة أبنائنا من أنياب غول الجهل الذي هم فيه، وإلا فإن فلسطين ـ وأنا مسؤول عما أقول ـ لن تكون على أية خارطة خلال السنوات القادمة.