بوليفيا والمطر وأوان الحرية
تاريخ النشر : 2014-08-12 06:46

يوثق بعض السكان الأصليين بالحبال، ويعلقون فوق أكوام من الحطب المشتعل، لحرقهم عقابا على فشلهم في العثور على الذهب للمستعمر الأبيض، ويحترق الهندي الأحمر الشجاع وهو يهتف ضد الأبيض، ويردد مواطنوه هتافاته، ليصبح بطلهم الشهيد. في اللحظة التي ينتهي فيها مخرج الفيلم من تصوير هذا المشهد، تأتي دورية من البوليس البوليفي، لاعتقال الشاب نفسه الذي أدى الدور، لمشاركته في التظاهرات الشعبية الرافضة لخصخصة المياه.

هذان المشهدان من فيلم "حتى المطر"، المنتج عام 2010، والحائز على عدة جوائز دولية، للمخرج الإسباني "إيسيار بولين"، حيث نشاهد فيلمين متداخلين، يسيران في خطين دراميين متوازيين، يتقاطعان في الثيمة الموضوعية، وهي استيلاء قوى الاستعمار الأوروبي، على مقدرات وثروات دول أمريكا اللاتينية، وسحق شعوبها الأصلية بعد اكتشاف القارة الجديدة، ونضال الشعب البوليفي الذي تفجر احتجاجا على تغول حكومته وحلفائها النافذين اقتصاديا، المتقاطعين مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لتعيد سيرة الاستعمار الأولى، بمسميات جديدة كالإصلاحات الاقتصادية، وتوصيات الخبراء الاستراتيجيين لزيادة النمو الاقتصادي، وتخفيف المديونية وغيرها، من وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، المرتبطان بمراكز الرأسمالية العالمية. الشرارة كانت قرار الحكومة بخصخصة المياه، في إطار استجابتها لآليات العولمة، ضد ما اعتبره الشعب قرارا بموته، حيث أغلبية الشعب تعمل في الزراعة، وتعاني ظروفا اقتصادية قاسية. يقول الشاب الهندي للمخرج عندما يسأله متلعثما عن أهمية تظاهره وتعطيله تصوير الفيلم: إنه الماء، سر الحياة.

الفيلم يروي حكاية مخرج إسباني، يعمل على تحقيق مشروعه السينمائي الأهم، عن رحلة كريستوفر كولومبوس لاكتشاف أمريكا، من منظور تاريخي موضوعي، يتقصى دوافعه الحقيقية، المتعلقة باصطياد الذهب والعبيد، وقتل من يعيقون مطامعه، ليكشف أكاذيب رواية المستعمر الأبيض الرسمية، عن رسالته في نقل الحضارة لشعوب بدائية، على وقع تفجر حرب المياه في بوليفيا، حيث اختيرت كموقع لتصوير.

لم يأت اختيار الإسباني "إيسيار بولين" دولة بوليفيا مصادفة، لتكون مسرحا لأحداث فيلمه وإسقاطاته، فقد عاشت بوليفيا بالفعل حرب مياه، بدأت بوادرها تلوح بالترويج لمشاريع إعادة الهيكلة الاقتصادية من خلال مشاريع الخصخصة عام 1985، وانفجرت عام 1999 بين الشعب والحكومة، إثر صدور قرار حكومي ببيع شركة المياه البوليفية لشركة "أجواس ديل توراني" التابعة لشركة "بيكتيل" عبر النفوذ الأمريكي الذي كان متغلغلا آنذاك في بوليفيا، مما يعني ارتفاعا حادا في أسعار المياه، واستحواذ الشركة على كافة مصادر المياه الطبيعية، حتى أن القرار تضمن منع الناس من جمع مياه المطر! حرب سقط فيها عدد كبير من القتلى والجرحى، حتى انتصرت إرادة الشعب البوليفي، وأفشلت مشروع الخصخصة، بخروج الشركة والحكومة الموالية لأمريكا. ومنذ انتخاب البوليفيين للرئيس "إيفو موراليس" عام 2006، انتهى عهد "الليبراليين الجدد" في بوليفيا، وبدأ عهد الحكومات الوطنية.

لا يتوقف الفيلم في تعريته عند حدود القصتين المتوازيتين، بل يحفر عميقا في إدانة الاستغلال والاستقواء، وهو يعرض مبررات المخرج لاختيار بوليفيا، الذي لا يجد مكانا أفضل من بوليفيا، لأسباب تتعلق بإمكانياته التمويلية المتواضعة، ففي بوليفيا، البلد الأفقر في القارة الجنوبية، يمكنه استئجار جيش من الممثلين، بأجر دولارين للشخص يوميا، في بلد يموت الناس فيها فقرا وجوعا، ويرون في دولارين ثروة جيدة، بل حلما كبيرا.

تأتي براعة الفيلم من المفارقات التي انبنت عليها رؤيته الدرامية، فالمخرج داخل الفيلم، مناصر للشعوب المضطهدة، ويدين الاستعمار ووحشيته، ولكنه لا يجد غضاضة في استغلال البوليفيين لإتمام فيلمه بأقل التكاليف، وفي الوقت الذي عزم فيه على فضح المسعى الحقيقي لبعثة كولومبوس، وهي الاستيلاء على الذهب الذي تم اكتشافه في العالم الجديد، وإبادة قبائل كاملة مقابل ذلك، تثور ثائرته عندما يرى الممثل الأساسي في فيلمه، في مقدمة المتظاهرين ضد خصخصة المياه، لأن مشاركته تعطل الفيلم، وتلحق به الخسائر. وفي الظلال نرصد صراعه الأخلاقي، بين مبادئ وقيم إنسانية يتبناها، ومصالح مادية ملحة، عندما يتخلى عنه طاقم الفيلم، ويفشل في المضي في فيلمه، أمام ارتفاع وتيرة الصدامات وتزايد المخاطر، وإصرار الشعب على خوض حربه لاستعادة حقه في المياه. في المشهد الأخير من الفيلم، يسير راهب في الشوارع مناديا ومبشرا: أوقفوا القتال، المياه لكم.

بوليفيا أكثر بلدان أمريكا اللاتينية تعبيرا عن مضامين الفيلم، لخصوصية تجربتها الكفاحية، حيث التركيبة الديمغرافية الملفتة، ففي حين تتضاءل نسبة الأصليين في بلدان مثل البرازيل أو فنزويلا والأرجنتين، نجد أن الشعب الأصلي "الهندي الأحمر" يمثل أغلبية السكان، بنسبة تبلغ حوالي 80%، لكن الـ20% الباقية هم رجال الأعمال والملاك وأصحاب الأراضي والمنشآت الاقتصادية، وهؤلاء كلهم من البيض، سواء كانوا أوروبيين يتحدرون من حقبة الاستعمار الأولى، أو عربا هاجروا مطلع القرن العشرين.

ومن المؤلم في وضع بوليفيا، أن المستعمر الأبيض خلق نظاما إقطاعا ما زال مستمرا بمفهومه وهيكليته التاريخيين. مقاطعات شاسعة يملكها إقطاعيون من أصول أوروبية، بأراضيها وثرواتها الزراعية والمعدنية والمائية، إضافة إلى سلالات من العبيد، وميليشيات أمنية خاصة بكل إقطاعية. وتخوض اليوم حكومة "موراليس" الوطنية حربا مع أولئك الإقطاعيون المناوئين لبرنامجه الوطني الهادف لتقويض ثرواتهم وتحرير العبيد. وما زال معظم البوليفيون يعانون من الأمية، ومن انسحاق الشعور بالهوية الإنسانية والوطنية، لما مورس عليهم من شراسة الاستعمار والإقطاع معا.

بوليفيا تجربة فارقة في نضال الشعوب لاسترداد كرامتها وحريتها وسيادتها، وحقها في التمتع بثرواتها وموارد بلادها الطبيعية، وجاء فيلم الإسباني "إيسيار بولين"، إضاءة على نموذجها الفريد، في الخروج من عتمة الاستعمار وظلمه الفادح، ودخول البلاد بامتلاك إرادتها الوطنية، ورشة عمل في مختلف المجالات، لبناء وطن لأبنائه. إرادة وطنية حرة ما كانت لتتوهج لولا اعتداء الرأسمالية ووكلاؤها المحليون على المطر.