ستبقى الارض لنا
تاريخ النشر : 2014-08-12 01:51

نحن لسنا بُلداء. تتحرّك مشاعرنا وتفور حين يُطفئ العدوّ أجساد من هم قطعةٌ من روحنا. لكنّ الباعث على الحياة أننا لا نمكث طويلاً في دوامة الحزن. نعاود النهوض مجدّداً من تحت الأنقاض ونلوّح بيدينا للحياة مقبلين عليها غير مدبرين.

فبعد أن قفز عداد الحرب عن 36 يوماً، ما عُدنا نقيم وزناً لزخّات رصاص العدوّ وكلّ أسلحته وصواريخه. تحت غطاءٍ جويٍّ كامل، يجرّ بائع الكعك عربته ويجول بين شوارع غزّة. لا يعري أدنى اهتمام للسماء الممطرة موتاً.

لكن وسط نبض الحياة هذا الذي أخفقت الحرب في إيقافه، ثمّة من يغرس خنجراً في قلبك ويقتلك مرةً واثنتين وثلاث. صنفٌ تشعر أمامه برغبةٍ جارفةٍ في لفظه عن هذا الكوكب، ونفيه إلى الموت حين يرنو إلى لمع نجمه من وراء معاناة النازحين، فيصوّرهم شحاذين ومتسوّلين يطوفون غزّة ليجنوا مالاً أو كسرة خبز.

لا أجد توصيفاً دقيقاً للشخوص التي تمنّن النازحين بقطعة شوكولاتة أو علبة بسكويت، وتشترط توثيق هذا الحدث المدوّي بنظرها بصورة تلتقطها وتسوّقها على صفحاتها هنا، سوى أنها خاوية جوفاء تنتظر الحرب طيلة العام وتطرب بها ساعة دقّها.

كلّ هذه السلوكيات المبتذلة تُعيدنا إلى النقطة الصفر وتشعرك بأن ليس ذلك العدوّ وحده من يودّ القضاء عليك. هناك وجوهٌ عدّة لذلك، وأقبحها من يبسط يده لك مقابل أن تلمس طريق الذل. حتى الـ USAID التي تقتلنا تتسعى إلى تخديرنا بمساعداتها الأخيرة.

من يشقّ هذا الطريق من مؤسسات محلية وأذرع استعمارية لن يجد ضالته هنا.

فغزّة التي لم يقتلها الجوع والعطش، ولا البرد القارص، ولا حتى الموت المقذوف من البر والبحر والجوّ، لن تخضغ لكاوي الوعي ومهندسي الأفكار. غزّة لن تشعر بالاغتراب عن البوصلة المركزية ما دامت تمتشق البندقية ولم تُلقِها يوماً. يرحلون ونبقى، والأرض لنا ستبقى