هزيمة فلسطين المطلقة
تاريخ النشر : 2014-08-09 19:14

يحتاج المرء إلى كثير من الخفة.. حتى يقول إن الفلسطينيين خسروا حربهم مع إسرائيل. ذلك ما لم تجرؤ إسرائيل نفسها على قوله.

لقد حقق الفلسطينيون – شئت أم أبيت – مستوى جديدا من الردع، بعدما كان الرادع الوحيد أمام عدونا هو ضميره، حيث لا ضمير له.  (عليهم الآن أن يجدوا رادعا مماثلا لأصحاب الصوت الموسوس، أولئك الذين يقضمون أظافيرهم في الزوايا البعيدة، لأن إسرائيل خيبت ظنهم).

كنا نتمنى أن نسحق عدونا من دون أن نخسر قطرة دم واحدة. وكتب شعراؤنا قصائد وأغنيات عن ضرورة الحياة لنا وله. قلنا لأنفسنا: لا تحاربوا الإنسان، وحاربوا الكراهية المقيمة فيه. وغير بعيد عنهم، انحنت نساؤنا على عبوات القنابل، التي قتلت أبناءهن أمس، ورحن يملأنها بالورود.

ولكننا وجدنا أنفسنا أمام آلة مبرمجة على القتل، تطلق الرصاصة قبل أن تحدد هدفها.

لقد رأينا – منذ أن كان الاحتلال- الى أبناء فلسطين يتهاوون في حفرة شديدة السواد، هي عين العالم العمياء.

وإذ قرر الفلسطيني أخيرا أن يكسر حلقة الضحية، وأن يتوقف عن تصعير خده، فوجئنا، كما فوجىء العالم من أدناه إلى أقصاه، بقدرة شبان فلسطين على الخروج – للمرة الأولى ربما – من هذه الدائرة المهينة. فوجئنا بجنود مدربين على الموت، لا همّ لهم إلا استعادة الكبرياء.

ونتيجة لذلك، يجلس المفاوض الفلسطيني اليوم الى طاولة الحوار، ويملي شروطه بعينين مفتوحتين على اتساعهما. فيما تصرخ المرأة التي فقدت أبناءها وأبناء أبنائها قبل ساعات: اسرائيل لا تخيفنا.

في الزاوية البعيدة من المشهد، تكتب أنت مقالة "فلسفية" عن معنى الانتصار، مطالبا الفلسطينيين بأن يلقوا سلاحهم، ويقفوا أمام عدوهم مجردين من كل أسباب القوة، بانتظار أن تبتل عينا العالم إشفاقا عليهم.

تريد من الفلسطينيين أن يستغلوا سلاح الضحية الفتاك: تصعير الخد، والبقاء على مسافة تسمح بتلقي الركلات.

أجل، هوت منازل، ومستشفيات، ومساجد، وأهلون. ولم يبذل العدو ما يوازي ذلك من خسائر.. وبمقاييس مباريات كرة القدم، تلك التي اتهمت الناس بأنهم يخلطون بينها وبين الحروب، فإن النتيجة هزيمة مطلقة للفلسطينيين، كما ترى.

ولكن إذا كنت تعرف أن الحروب تقاس بخواتيمها، فستدرك أهمية ما حققه أبناء شعبك، وقد تشعر بمسحة من العار.

الأرجح أنك لم تلاحظ طبقة الصوت الجديدة، تلك التي اكتشف أبومازن أخيرا قدرة حنجرته على بلوغها، وهو الذي لم يتوان عن إدانة "العنف"، حتى عندما كان يعني الدفاع عن النفس.

أبو مازن ما غيره، يقول اليوم، بطبقة صوته الجديدة: المقاومة الفلسطينية.  ابو مازن يا تافه!

* قصي اللبدي، كاتب وشاعر وصحافي أردني