هناك حلول دينية للظواهر والأشياء كلها، فلا وجود فعليا للحظة الراهنة، لأننا - وفق المفهوم الديني - مرتبطون بالأبدية مباشرة: ينبغي أن ننظر الى ما وراء الوقت والجسد والفكرة - لا الى تمثلاتها.
وعلى سبيل المثال، فالوقت هو الرصيد الذي أعطي لنا لحظة وصولنا الى هذا العالم في صندوق مغلق، وهو - قيل لنا - يحتاج الى إدارة من نوع محدد، تضمن الاستمرار في مضاعفته، مرة بعد أخرى، الى حد لا يعود معه الاسراف في "الإنفاق" (عند بلوغ الأبدية) فعلا يمكن ملاحظته.
علينا أولا نزع القيمة عن الوقت إذا "أنفق" في غير مرماه، فكتابة قصيدة أو رسم لوحة، أو تأليف كتاب ما، هو ، وفق هذه المفهوم، تبذير للوقت، وإسراف في غير محله.
وأما الجسد (صندوقنا المغلق) فمجرد طيف عالق في المرآة؛ لا وزن له. وتاليا، فلا يمكن تدنيسه ما دامت حواسه كلها مجندة للغاية السامية من نشوئه. لا يمكن تدنيسه حتى بالموت نفسه، لأن صاحبه الميت سيصعد الى السماء، حيث تقام له مراسيم استقبال إلهية.
ووفق هذا المفهوم، يحق له أن يهنأ بموته.
على الجسد - الذي لا قيمة فعلية له - ألا يُخدع بقوته، أو ضعفه. وألا يظن صاحبه أن القبح والجمال - مثلا - أمران مؤثران. لقد وهب الله الجمال للإنسان لاختبار قدرته على تخطي الفتنة. وأسبغ عليه القبح، لاختبار صبره. وإذا نجح في ذلك، يكون قد أضاف الى وقته (هناك، في الأبدية) رصيدا جديدا.
وإذن، فهذه هي الفكرة.. يمكنك أن تفعل أي شيء، ما دمت قادرا، حين تفتح شباك غرفتك الصغيرة، على رؤية هذا الفضاء اللامتناهي، حيث تلوح ابتسامة الله من وراء الأفق.
يمكنك مثلا أن تقتل شخصا ما، أي أن تضع حدا لحياة مخلوق، متسلحا بالفكرة. ستجد من يقول لك: لترتكب ما تريد من الأفعال، أو الجرائم. لا تدع أصابعك تهتز.. فأنت تنفذ أمر الله.
أو: أنت تعمّر الأرض.
أثناء ذلك كله، يمرض الإنسان.. فيصير الوقت سائلا لزجا يرشح من مسامه. يمرض.. فإذا اللحظة المقيمة حقيقة تضاهي في طولها الأبدية كلها. يمرض فتتحسس يده جسده المنهك، وتحنو عليه الحواس.
يمرض، فتلبس الفكرة لونا آخر، جديدا، ويشفق هو على كل شيء.
2
أنت لم تلاحظ ذلك من قبل:
النار هي وحدها القادرة على كسر الحلقة،
أي: سلب الأشياء خواصها، ومنعها من النشوء مجددا.
بعيدا من النار، تفقد ورقة الشجرة التي سقطت من يد أمها قبل ايام، ملامحها، ولا يتبقى منها سوى عناصرها الأساسية، هي ذي تعود شيئا فشيئا إلى ما كانت عليه أصلا، هي ذي تعود ترابا.
لكنها لن تتلاشى، أو تعرف الزوال أو العدم، سوف تحتاج الى قليل من الوقت حتى تستعيد ملامحها مجددا، وتنمو ببطء، ببطء، لتصبح ورقة أخرى لشجرة أخرى.
النار تحرمها من أبديتها هذه، فلا شجرة تنمو من الرماد. الرماد "موت أبدي" لا حياة بعده.
الله نار أيضا "نوره كمشكاة فيها مصباح" لكنها النار التي - يقول لنا - تشعل الحياة في كل شيء.. النار التي تنير. الله والنار صورتان لأبدية خالية من التراب.
3
قال لي رجل نسيت ملامحه:
عندما يولد الإنسان، يهبه الله صندوقا مملوءا بالضحك، وآخر بالدمع. الصندوقان بالحجم نفسه. لكن لا أحد يحب أن يفتح صندوق الدمع، ويتناول شيئا منه. هل تحب أنت ذلك؟ سألني، فنفيت بهزتين من رأسي.
الجميع يريدون أن يمدوا أيديهم ويغرفوا ملء راحاتهم من الصندوق الضاحك. لا يسألون أنفسهم:
ماذا سنفعل إذا نفد خزينه؟
وعندما يتنبهون الى ذلك أخيرا، يكونون قد فقدوا نصف أعمارهم. لهذا تراهم في ما بعد يطيلون النظر في صناديقهم النافدة، تلك، ويمدون أيديهم الى الصناديق المجاورة، التي لا تزال الى فمها، لينهلوا منها
ملاحظات عابرة
تاريخ النشر : 2014-08-08 15:25
