أحاولُ أن أقرأ مضامين الخطاب الديني العربي عموماً في ظل الأزمة الأخلاقية التي أحدثتها الحرب في غزة، وأقول الخطاب الديني العربي وليس الفعل، فهل ما زلنا كفلسطينيين نعتقد أننا نملك بعداً عربياً من أي نوع؟ وهل لدينا فعلاً ما يؤهلنا لنحظى بهذا البعد، سواء من قبل الرؤساء والحكومات التي هي صورية في أغلبها مع برلماناتها، أو من الجماهير التي تعتقد أن إسرائيل أوقفت عدوانها على غزة بعد خطاب الملك عبد الله عاهل السعودية أدامه الله ذخراً للأمة العربية؟
هل سنفاجأ من الأصل إذا لم يكن هناك خطاب ديني عربي يتعلق بفلسطين غير ذلك الخطاب الذي يحسب عدد الركعات في المسجد الأقصى وكونه أولى القبلتين وثالث الحرمين؟ وهل المزاج العربي جاهز أساساً لتقبل فكرة أن فلسطين ما زالت محتلة وأنه يمكن الدفاع عنها بغير المال الذي لا يعلم أحد إلى أين يذهب؟ جميعها أسئلة لا تلغي ارتباط هذه الأنظمة بمصالح تقف في الأساس ضد شعوبها، وتجعلها تدوس على هذه الشعوب مرة عن طريق إخضاعهم بالفتوى الدينية كما يحدث في السعودية مثلاً، ومرة بالقمع العسكري كما يحدث في أكثر من بلد، ومرة عن طريق الإعلام والعسكرة كما يحدث في مصر، ومرة عن طريق التطنيش واللامبالاة كما يحدث في قطر، ومرة عن طريق تفريغ الجماهير بالسماح بالمظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني كما يحدث في اليمن.
إن كنت لا أنكر عاطفية بعض الجماهير العربية باتجاه فلسطين، فإن هذه العاطفة تبقى في حدود الإحساس ولا تبتعد عنه إلى منطقة الفعل نتيجة عدة أمور، منها، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة على اعتبار أن توازن القوى هو في صالح إسرائيل، ومنها أن الوقت لم يحن بعد، ومنها أن الفلسطينيين مقاتلون عتاة يمكنهم تدبر أمرهم مع إسرائيل وهم بحاجة فقط إلى الدعاء، لأن الله سينصر قوماً يدعونه.
لعل من يقدمون هذه التفسيرات ينسون أنه وفي أثناء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، هُزم المسلمون في معركتين هامتين، أحد، وحنين، وإن كانت حنين قد انتهت بشكل مغاير عما انتهت إليه معركة أحد، إلا أن المسألة تبقى في نفس الإطار، أن الدعاء وحده والأمنيات وحدها لم تحقق للمسلمين غايتهم دون جهد واضح، ففي بدر كان سبب الانتصار واضحاً وهو الخطة التي وضعها حمزة بن عبد المطلب، ومن ثم يمكن أن نضيف الأسباب الأخرى التي تأتي بعد أن نفعل ما علينا.
إن الله غير عاجز عن فعل أي شيء للبشر، ولكنه حين أراد أن يشق البحر لموسى على سبيل المثال، أمره أن يضرب البحر بعصاه، لا لأن العصا هي التي تشق البحر، ولكن لأنه أراد من موسى أن يفعل شيئاً ويكمله هو بقدرته، وكذلك حدث مع بقية الأنبياء في قصص مختلفة، إلا أن ما يحدث هذه الأيام من تعلق الناس وحكوماتها بالدعاء فقط، يوصلنا إلى النقطة التي بدأنا منها، وهي أنه لا وجود لفلسطين على خارطة الفعل العربي، ولكن سبحان الله جل شأنه، حين يتعلق الأمر بقمع الشعوب العربية، فإن الدعاء يتحول بقدرة قادر إلى فعل، فعل قتل وسحل وسجن وتعذيب، فلماذا يتوقف الفعل عند فلسطين ولا يتوقف عند قمع الشعوب؟ لا أعرف.
نقطة مهمة كذلك تتعلق بشيوخ الفتوى الدينية، أولئك الذين ملأوا الفضائيات بفتاوى مختلفة عن إرضاع الكبير وتحريم المصافحة بين الرجل والمرأة، وغير هذه الفتاوى، لماذا تتعثر الفتوى حين يتعلق الأمر بالنضال أو الجهاد في فلسطين، وهي البلد التي ذكر الله مسجدها الأقصى في القرآن، وأكّد الآية مجموعة من الأحاديث حول الرباط إلى يوم الدين، فعن أي دين نتحدث؟ أي دين يهتم بحيض المرأة ولا يهتم بالقضايا التي تهم الشعوب؟ عفواً إنها تهتم بالشعوب فتصدر الفتوى بتحريم الخروج على الوالي وتحريم المظاهرات المناوئة للسلطة، فهذه فتاوى لا تزعج السلطة، ولا تتحرك الجماهير في نفس الوقت ضد مصدر فتوى، فهو في أمان من الجانبين.
إذا كانت هذه الأنظمة والشيوخ الذين يدعون لشخوصها على المنابر يوم الجمعة ترفض فكرة الجهاد بحجة محافظتها على مواطنيها، فلماذا تصدر الفتاوى بسهولة للحرب في أفغانستان وليبيا وسوريا وتونس والشيشان؟ وكيف يتمكن القرضاوي مثلاً من إصدار فتوى بوجوب إعدام القذافي لأن من يعدمه سيدخل الجنة حسب فتواه، ولا يصدر فتوى بوجوب إعدام نتنياهو مثلاً، أم أن في عرفه أن من يقتل نتنياهو لن يدخل الجنة؟ دعنا يا شيخ على الأقل نعرف وجهة نظرك في هذا الموضوع، وبالطبع القرضاوي هو نموذج للشيوخ التي توظف الدين لغايات سياسية وحسابات ضيقة هنا وهناك، ولكنه ليس الوحيد، فلم نسمع أي فتوى من أي شيخ عربي بشأن ما يحدث في غزة مثلاً، لا فتوى جزئية ولا كلية، بينما أنا واثق كل الثقة أن غزة لو بدأت بعصر عنب الشيخ عجلين وعمل نبيذ منه، لسمعنا عشرة آلاف فتوى في أقل من ساعة، لأنه من الطبيعي أن تكون صناعة النبيذ أخطر عند الله من أرواح البشر، هذا إذا اعتبر هؤلاء الشيوخ الناس في غزة بشراً من الأساس، أو في فلسطين كلها إن صح التعبير.
أرسل ولد من غزة خلال شهر رمضان رسالة إلى شيخ سعودي يسأله إذا كان الغبار الذي يدخل الفم من أثر الصواريخ يفطر الصائم، فما كان من الشيخ إلا أن بكى، ودعا الله أن ينجي أهل غزة مما هم فيه، وكأن ما هم فيه ليس هو جزءاً من أسبابه.
فلنبدأ بالتفريق بين الإسلام الذي نقرأ عنه في التاريخ، وبين مسلمي هذه الأيام، مسلمي الخمس نجوم، الذين يستسهلون الموت والجهاد في معظم دول العالم مدعومين بفتاوى من شيوخهم، على النضال من أجل فلسطين، وكأنهم يحاولون الالتفاف على كلمات الله ورسوله، فالكثير من الآيات والأحاديث تحمل معناها مطوياً في كلماتها وليس مباشراً، فإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس منا من بات شبعان وجاره جائع، إذا كان مجرد علمك بجوع جارك وأنت شبعان يخرجك من ملة الإسلام، فكيف سيفعل بك علمك بقتل شعب بنسائه وأطفاله وشيوخه وبيوته وأراضيه فيما أنت تتفرج، وفي الحقيقة قد لا تكون قد شاهدت أي شيء مما حدث، وهذا سيعفيك من المسؤولية لأن الحديث الذي سقته مشروط بالعلم، يعني أن تكون تعلم أن جارك جائع، وربما أن معظم الشعوب العربية لا تعرف ما يحدث في فلسطين عموماً، وفي غزة خصوصاً، ولا شيوخهم يعلمون ليعلموهم، لذلك لهم كل العذر فيما يفعلون
