الأبعاد الاستراتيجية للفعل المقاوم الفلسطيني
تاريخ النشر : 2014-08-07 03:41

كشفت الحرب العدوانية الثالثة على غزة والتي أطلق عليها العدو الصهيوني اسم «الجرف الصامد» عن صلابة العامل الذاتي للمقاومة الفلسطينية على أكثر من صعيد، سواءً من زاوية الاستعداد اللوجستي للمعركة وما يستلزم هذا الاستعداد من تجهيز الصواريخ والذخائر، ومختلف صنوف الأسلحة التي يمكن توفيرها...

أو من زاوية القدرة على التمويه الاستراتيجي، وإفشال أي إمكانية لكشف حقائق الاستعداد العسكري للمقاومة من قبل الاستخبارات الإسرائيلية، أو من زاوية إرادة المقاومة والقتال التي صنعت المعجزات في مواجهة العدوان الجوي والبري والبحري، رغم الخلل الكبير جداً في ميزان القوى العسكري لمصلحة الكيان الصهيوني.

لقد خاضت المقاومة حربها الدفاعية عن قطاع غزة، وسط تواطؤ العديد من أطراف النظام العربي الرسمي مع العدوان، وفي ظل انشغال سورية العروبة في مواجهة العدوان الإمبريالي الإقليمي الرجعي الإرهابي على أرضها، وبعد أن تمكنت الإدارة الأمريكية من احتواء ما يسمى الربيع العربي، وتحويله إلى خريف ووبال على الأمة ومشروعها النهضوي، ذلك الخريف الأمريكي الذي أمعن في ذبح الأمة وتقسيمها على أسس إثنية وعرقية وطائفية.

لقد اعتقد العدو أن الفرصة باتت سانحة أمامه لتركيع الشعب الفلسطيني، ولتحجيم المقاومة وتجريدها من السلاح وخاصةً السلاح الصاروخي، لكن معطيات المنازلة كشفت عن سوء تقديرات العدو وعن فشل ذريع في رصده وقراءاته الاستخبارية، ناهيك بأنها كشفت عن أبعاد تكتيكية واستراتيجية هائلة لمصلحة المقاومة الفلسطينية أبرزها:

أولاً: أن العدو الصهيوني رغم استخدامه كل صنوف الأسلحة، بما فيها الأسلحة المحرمة دولياً، ورغم قصفه المستمر منازل المدنيين العزل على مدى أيام الحرب، ورفعه منسوب الخسائر البشرية بشكل كبير في صفوف المدنيين الفلسطينيين، التي وصلت حتى صباح اليوم الخامس والعشرين للعدوان إلى (1462) شهيداً و (8360) جريحاً إلا أنه فشل في تحقيق أي من أهدافه السياسية والاستراتيجية، وتالياً دخل في دائرة ما يسميه الخبراء الاستراتيجيون «عجز القوة».

ثانياً: أن المقاومة خلقت توازناً حقيقياً للردع، من خلال قدرتها الهائلة على قصف العمق الإسرائيلي بصواريخها المتطورة، وهي بغض النظر عن مدى الخسائر التي تلحقها بصفوف العدو والمستوطنين إلا أنها كسرت عملياً أحادية الردع الإسرائيلي، وخلخلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ثالثاً: أن المقاومة في تصديها للعدوان بشقيه الجوي والبري، لم تقف فقط على تخوم القطاع للدفاع عنه بل استخدمت بمهارة فائقة تكنيك الدفاع الهجومي، عبر نقل المعركة بصواريخها من اليوم الأول إلى مراكز العدو الديمغرافية والاقتصادية وفي عموم مستوطناته، وعبر قتال مجموعاتها خلف خطوط العدو.

رابعاً: أن المقاومة أنجزت بكفاءة كبيرة منظومتين استراتيجيتين لصد العدوان، ولنقل المعركة إلى أرض العدو الصهيوني وهما: منظومة الأنفاق، ومنظومة صناعة الصواريخ وتطويرها.

الانتصار التكتيكي للمقاومة هذه المرة له نكهة استراتيجية، بمعنى أنه يمكن البناء عليه لاحقاً باتجاه تحقيق أهداف مرحلية للمقاومة من نوع كسر حدة حصار قطاع غزة، وخلق حاضنة شعبية للمقاومة في عموم الوطن، وتجريد نهج المفاوضات الأوسلوي من أي تأييد له وإسقاطه.

كما أن هذه المنازلة الكبرى كشفت عن فرز حقيقي في النظام العربي وعموم الإقليم، ففي حين أعلنت أطراف حلف المقاومة عن دعمها اللامحدود للمقاومة، وفي حين أعلن الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم أن العدوان على غزة هو عدوان على سورية، نرى أطرافا عدة من النظام العربي الرسمي لم تجرؤ على إدانة العدوان وتصر على إغلاق معبر رفح، وأن هذه الأطراف تلعب الدور ذاته الذي لعبته إبان حرب تموز 2006 والتي كما قال سيد المقاومة حسن نصر الله كانت تتوسل يهودا أولمرت لمواصلة الحرب لإنهاء المقاومة بقيادة حزب الله.

تشرين 6-8 -2014