حرب أم ورطة ؟
تاريخ النشر : 2014-07-14 23:15

بقلم: طلال عوكل 

اليوم تكون الحرب الإسرائيلية المجرمة على قطاع غزة، قد سجلت بداية الأسبوع الثاني، دون أن تلوح في الأفق مؤشرات تطور مجرياتها، نحو تهدئة قريبة، أو تصعيد آخر، أكثر دموية.
الحصيلة خلال الأسبوع الأول، باهظة التكلفة، حيث سقط أكثر من مئة وخمسين شهيداً، وأكثر من ألف جريح، فضلاً عن تدمير أكثر من ألف منزل سكني ومؤسسة ومنشأة.
ما يميز الحرب الإسرائيلية هذه المرة، عن سابقاتها، أنها أولاً دون أهداف واضحة، فعدا رغبة إسرائيل في تدمير المصالحة الفلسطينية، وإضعاف الطرفين حماس والسلطة، فإن المجلس الوزاري المصغر في إسرائيل، الذي لم يتوقف عن عقد اجتماعات مطولة، لم يحدد أهدافاً أخرى.
لوجستياً، ركزت إسرائيل قصفها البري والبحري، وخصوصاً الجوي، على تدمير منازل سكنية تعود لمن تشتبه في أنهم كوادر وقيادات من كتائب القسام، وحركة حماس، ما أدى إلى إبادة عائلات بأكملها. 
ترتكب إسرائيل فعلياً، جرائم حرب، وجرائم ضد القانون الإنساني، حين لا تميز بين المقاتلين والمدنيين، وحين تستهدف أطفالاً ونساءً، إذ إن 40% من الشهداء هم من الأطفاء والنساء، و50% من مجموع الجرحى. 
جنون في إسرائيل، إذ تبدو الحرب دون أهداف وازنة، ما يقدمها على أنها مجرد حرب انتقامية، تخرج عن أبسط قواعد الأخلاق.
من الواضح أن إسرائيل، التي قادها نتنياهو وتحالفه المتطرف إلى العزلة، وإلى أسوأ الأوضاع، تعاني من ارتباك شديد، ومن غياب المسؤول والقائد التاريخي، إذ يكتشف الإسرائيليون أن نتنياهو، هو أكثر الزعماء ضعفا، وأكثرهم تردداً، وأكثرهم، إلحاق الضرر بالبلاد.
كل يلقي بالمسؤولية على الآخر، نتنياهو يواظب على دعوة المجلس الأمني المصغر، حتى لا يتم اتهامه بالمسؤولية، أو يخضع وحده للمحاسبة، الجيش يقول إنه جاهز والقضية عند المستوى السياسي، ثم يتهم الأجهزة الاستخبارية بأنها لا توفر له، بنك الأهداف الذي سيعمل عليه، بعد أن نضبت الأهداف، فأصبح القصف عشوائياً، أو العودة لقصف مواقع ومنشآت تم قصفها في أوقات سابقة.
ولكن ما يميز هذه الحرب أيضاً ويثير الإعجاب، والدهشة، هو أداء المقاومة والإمكانيات التي تحوز عليها. 
هذه الحرب تختلف عن سابقاتها، بل تختلف عن كل الحروب السابقة مع إسرائيل. 
الحرب داخل إسرائيل، وتغطي الصواريخ كل أنحاء فلسطين التاريخية، وتتدخل في التأثير القوي والمباشر على الاقتصاد، والسياحة، وحركة الطيران، والسلوك اليومي للناس.
صحيح أن الصواريخ الفلسطينية لا ينتج عنها الدمار الذي يحدث نتيجة القصف الإسرائيلي، ولا توقع عشرات الضحايا، ولكنها ليست صواريخ كرتونية ولا هي صواريخ عبثية. 
إذا كان عدد ضحايا الصواريخ الفلسطينية محدوداً، فإن تأثيراتها المعنوية عالية جداً، وأما تأثيراتها على قوة الردع التي تتباهى بها إسرائيل، فهي واضحة إلى حد كبير، والأهم أنها تكسر نظرية الأمن الإسرائيلي الاستراتيجي، وترغم إسرائيل على تغيير قواعد هذه النظرية. 
إسرائيل أرادت منذ قيامها، أن تحرص على خوض حروبها خارج الأراضي التي تحتلها، وقد نجحت إلى حد كبير، ولكنها اليوم ستضطر لتغيير هذه النظرية، والتعامل مع المستجدات.
المستجدات، بدأها حزب الله بتمريغ أنف الجيش الإسرائيلي في أوحال الجنوب وحين غطت الصواريخ النصف الشمالي من فلسطين التاريخية، واليوم تكملها وتتممها المقاومة الفلسطينية، بما تمتلك من صواريخ تغطي كل فلسطين والأهم من خبرات وتكتيكات واستعدادات قتالية، تخشى إسرائيل أن تصطدم بها خلال عدوان بري واسع.
ما ظهر حتى الآن من إمكانيات ومفاجأت، ميدانية، يشير إلى أن ثمة مفاجآت أخرى، وثمة إمكانيات لم تظهر بعد، وعلى أقل تقدير، يعرف الكثيرون، أن المقاومة قامت ببناء غزة أخرى تحت الأرض.
ثمة تكافل في الأداء، فالصواريخ تنطلق على المكشوف، وأحياناً بإعلانات مسبقة عن توقيت إطلاقها، وتكون أولى مهماتها قبل الوصول، أن تعلن فشل كل مشروع القبة الحديدية، وتكشف لمن أراد في إسرائيل أنه مشروع فساد، واستغلال نفوذ - على الأرض فوجئت القوات الإسرائيلية التي حاولت مرات عدة التقدم في شرق غزة، وفي غربها، بأن ثمة مقاومة جادة، اضطرتها إلى الانكفاء، وفي البحر، معروف ما جرى أكثر من مرة، على شاطئ عسقلان ومعسكر زيكيم، حيث وصلت مجموعات الضفادع البشرية الفلسطينية.
إذا كان من المهم السؤال عن معنويات أهل غزة في هذه الظروف، وبالرغم من ما يعرفه الجميع من معانيات، فسأقول، إن الناس هنا، تجاوزوا التجاذبات الفصائلية والسياسية، وانهم يشعرون بالعزة والكرامة، ويأملون في أن تندفع المصالحة إلى أبعد مدى، لأن نجاحها يسجل لإسرائيل فشلاً كبيراً. 
هذا النقاش حول الواقع الميداني، لا علاقة له بالسياسة والخيارات ولو كان الأمر كذلك، لتقدمت بنصيحة، لأن تقبل فصائل المقاومة بالتهدئة وأن تودع هذا الملف عند الرئيس محمود عباس. 
أقول ذلك وألفت النظر، إلى أن ما تفكر به إسرائيل، إلى أن ينضج اتفاق تهدئة، جار العمل عليه، هو أن تقدم على عمل إجرامي جماعي كبير، أو اغتيال بعض قيادات المقاومة، حتى يعود نتنياهو إلى جماعته، وبيده انتصار حتى لو كان مزعوماً. 
إسرائيل مجروحة، وشاكية، حتى من حلفائها التاريخيين، ولذلك فإن الساعات والأيام، التي تسبق التهدئة تكون خطيرة، ومكلفة.