عندما يتحول المخيم إلى تابوت
تاريخ النشر : 2013-01-07 14:40

 

نوى- خاص /

فتحت عينيها ، من بوابة الخلف ، فالطريق إلى المخيم موحشة ، ضباب يحاكي الطغاة ، النازلون في الدم حتى الرؤوس ، يسبحون بشهية الجائع في الضحايا ، في حصادهم كل الأحياء الذين صدّقوا المخيم في تلك الليلة ، فاستسلموا بعد تعب الشمس من السماء ، و ناموا ، ولكنه كان الأبدي الحزين .

ست عشرة ليلة خلت من أيلول الدم ، ليقف الزمن على صليب الوجع ، في الأف بعد التسعمائة لثمانين سنة وعامين بعدها، لتخلد صبرا وشاتيلا في ذاكرة تجازوت القدرة على النسيان ، هناك المكان الدموي الاعتباطي المعادي للإنسان، في الزمان الموحش والمنافي للرحمة ، في الجغرافيا المتروكة للموت ، تجمع الأحياء في مخيم وجوار تحولا إلى تابوت لمن كان فيهما قبل ساعات ، رجالٌ طاعنون في السن ، ونساء مكلومات بمن رحلوا وماتوا قبلهن ، وأطفالٌ فقدوا الغد فجأة من غير استئذان .

قالوا مئات قتلوا ، وأخرون شاهدوا الموت فعّدوا الأرواح الصاعدة إلى ربها بالآلاف، ومن قتل يقول خلاف الحقائق ، ولكن الجميع يعترف أنها كانت مجزرة.

مجزرة قتل فيها ماهر ، لتقول والدته الشاعرة رحاب كنعان ، بعد ثلاثين وجع يسبح في قلبها:" حملت شمعتين ولافتة  وكتبت عليها نحن شهداء صبرا وشاتيلا من دمنا عدتم للوطن، لا تنسونا "، في مكان يقول عن فلسطين الكثير ، والجندي المناضل فيه مجهول ومسروق ، ولكن له ساحة تبكي ومازالت في مدينة غزة .

 ولكل غزوة حزن جنازة ودمعة ، بكت الشاعرة رحاب كنعان صاحبة كتاب "تل الزعتر" وهي تحلق في ذاكرتها كعصفور كسير وتقول مدمعّة العينين :" فقدتُ أهلي في مجزرة تل الزعتر" كان ذلك في عام الحزن الفلسطيني ، الذي يسمّونه ، ألف وتسعمائة وستة وسبعين ، فيه فقدت كنعان الخمسين روحاً من عائلتها ، لتجدهم حراس السماء في عام الألف وتسعمائة واثنان وثمانون يستقبلون ابنها ماهر واثنين من أقربائها، من سماء شاتيلا المخيم الذي تحول إلى بقعة دم واحدة  في شهادة الدنيا .

كنعان التي أبحرت مع الكوفية والبندقية إلى تونس ، أخلت المكان والمخيم والمقبرة ، ولكنها زرعت أسوار قلبها فوقهم ،  للغرباء من أبناء شعبها الذين قتلوا ، ولم يكن في علمها أن أبنها ماهر واحد ممن سجلت الاقدار اسمه على شاهد قبر ، وجدت ذالك بعد سنين بخبر نائم في صحيفة " فلسطين الثورة" المجزرة التي أبحرت بسنينها ، وبكت عليها كنعان ودمعها كان على غرباء ليسوا من رحمها ، تحطّمت سفنها  الأن بنار لوعتها على ابنها الذي كان مع طليقها قبل أن يموت المخيم ويصحو على بركة دم ، حيث تركت ماهر لطليقها الذي مات ايضاً بجواره واسرته ، كما مات أحياء ما قبل المجزرة في صبرا و شاتيلا، كنعان التي مات الصوت في كلامها ، حزناً على مشهد يكرر حضوره في حياتها عجزت عن التعبير واكتفت بالبكاء ، ولكن أي قدرة يا الله لكي تتحمل شاعرة مثلها وجع لا ينتهي ؟.

كنعان التي استسلمت لحزنها على ماهر ،  خلطته  بحزن مثله على ابنتها ميمنة ، الصغيرة التي تركتها ايضاً للمخيم في ذاك الوقت ، لتحسبها من زرع التراب والشهداء ، في مجزرة أطال عمرها الغزاة ثلاثة أيام متواصلة على مشهد من العالم الأبكم ، لتفاجأ بعد عشرين سنة قاسية ، أن برنامجاً تلفزيونياً يستقبلها ويقدم لها الشهيدة في التقدير المفجع للأم ، الحية في دنيا لا تجيد جمع الشمل إلا بمرارة العوسج المنكب في فؤاد من تركوا الأم للنزف والأسى.

ميمنة الصبية ، لأم تفيض في الكأبة ، روت سيرة ماهر الشهيد مع الخبز المسائي والمسجد الذي احتمى فيه من الطغاة يوم اجتياح المخيم ، وفي الرواية وخز روح تتألم وسمعٌ يترجم الكلام دمعاً لعينين لم تشبعا من الدمع عشرات السنين.

كنعان وفي عموم المتوقع قبل المجزرة تقول  " كنا نعلم أن هناك ما يشير إلى توتر الأوضاع خصوصا بعد خطاب بشير جميّل، وبعد اغتياله تأكدنا أن هناك مجزرة ستقع وداهمنا إحساس بالخوف والترقب، لكننا لم نكن نتوقع أن تكون مجزرة بهذه الفظاعة ".

كنعان التي تواصل شهادتها  ونجاتها من المجزرة تقول:" قبل المجزرة انتقلت إلى منطقة الجامعة العربية للسكن هناك بعد زواجي الثاني ، انتقلت ولكن  ليس بعيداً عن صبرا وشاتيلا، وعندما سمعت بالمجزرة حاولت الدخول لشاتيلا ، ومن فرط العناء استطعت أن أقف على مشارف المخيم، ولكني فشلت بالدخول لكثرة  الجثث المتروكة للهواء والغبار وهيام الأرض، أنها مجزرة يا أهل الدنيا ، مجزرة في صراخ النساء ، في جري الرجال ، في لعب الأطفال ، مجزرة يا صناع الموت يا أهل القبور الأحياء ، يا الهي يا الله (..). وصمة عار ".

منديل واحد لا يكفي كنعان لتشبعه دمعها، لتمرر مشهداً أخرا عن الجريمة الفظيعة وتقول :" خرجت مجموعة من النساء الى ساحة المخيم ، نحو الجنود المسلحين ، ليقولوا لهم أن المقاومة انسحبت من المخيم ولم يبق سوى العجّز والنساء والأطفال ، كن عشرة أو أكثر ، لكن الجنود قابلوهن بالرصاص الحي ، وقطعن رؤوسهن بحراب السلاح ، ومزقن ملابسهن ، وفي الحكاية أن الجنود دخلوا البيوت بيتاً من بعد بيت ليقتلوا كل حي ، وروح ، رصاص غزير ودخان ونار ، وصفيح يسقط فوق الرؤوس المقطوعة ، والجثث النازفة ، ومتاع لم يعد فيه زهو الحياة ".

كنعان ، ام الشهيد والشاهدة على مجزرة أصبح عمرها ثلاثين سنة ، تأسى على قيادة الشعب الذي ينتمي اليه الشهداء في صبرا وشاتيلا ، لتبعث عتابها المؤلم الى كل قائد يقول أنه يعيش من أجل شعبه ، وتسأله لماذا نسيت سرير الموت في صبرا  لماذا نسيت وسادة ماهر في شاتيلا ، لماذا سكت عن الجنود الغزاة ؟ لماذا قهرتني بصمتك بعد ثلاثين سنة من وجعي والمجزرة ؟

هو عتاب في غياب صورة دامية أبكت العالم يوماً ، نستها اليوم عدسات الإعلام ، لكي تلهي نفسها بعيداً عن عدالة القضية ، وأنين الذين رحلوا وتركوا فينا أوسمة التضحية ، أين هؤلاء الذين يكتبون عن صبرا وشاتيلا اليوم ؟ اين الصحفيين والاعلاميين والكتّاب والشعراء ؟ أين عود الند والميجانا والدلوعنا ودمع المخيم ؟ أين رسامين الألم في شعب لازال يغرد مع المخيم والشهداء وكل أمله في حق العودة الى الوطن ؟

هي رحاب في الوجع ، ولكنها ابنة كنعان في الصبر ، ورغم كل ألم وبعد ماهر لا زالت تكتب عن الحياة والصمود والمدينة المنتصرة ، وفلسطين في حدائق قلبها تسبح فوق المقبرة ، هو الأمل اذاً هو الأمل .