يخرب بيت الهُسهُس !!
تاريخ النشر : 2013-01-06 20:58

يخرب بيت الهُسهُس !!

 

(1) ما هو الهُسهُس؟!

الهُسْهُسْ (باللهجة النابلسية ) أو الهِسْهِسْ (بالفلاحي) .. هو البعوضة (بالغزاوي) !! والبعوضة كائن حي على دماء العباد، تعرفه حين يزعجك ليلا فلا تستطيع أن تنام – خصوصا في الريف – يتذوق دمك أثناء النوم ويترك لك (بثرة – حبة ) تشكل انتفاخا يُؤلم .. ومن حكمةِ الله أنك تشعر بوخزتها بعد أن تشبع من دمك هي !! .. فتصحو وأنت (متهسهس) .. وفي بلادنا كثير من (الهُسهُس)، وكثير من (الهِسْهِسْ) وكثير من (البعوضة)…

(2) ما هو التهسهس ؟

التَّهَسْهُسْ : هو اسم لفعل مضارعه : يتهَسْهَسُ وهو على من تم مص دمه (المتهسهس)، أي أنه وقع عليه فعل (الهَسْهَسة ) فالفاعل : هسّ المفعول  بمص دمه .. فهو هسهاس والمفعول : متهسهس .. والله أعلم .. في كل الأحوال : انتبه أيها المواطن أن تتهسهس على هسهاس يمص دمك .. بعوضة كانت أم .. (باعوض) والباعوض هو بشري يمارس هسّك فهو هسهاسك الذي يمص دمك في عملك، في وطنك، في السوق، في الأحزاب، في الحكومات، في كل ما يتلاءم ويتلون مع الفساد في كل صعيد حتى التجارة وتبقى البعوضة مظلومة.. فهي من تصل إليك في أخر يومك وقد أمسيت مستهلكا من هؤلاء لتُجهز على ما تبقى من مزاجكــ ! وكثير منا يقبل على نفسه (أن يتهسهس مع الأسف)

(3) مظاهر من الهسهسة البعوضية

في الريف –القرية- لدى الفلاحين، تكثر (الهسهسة)، فالبعوض كثير في الليل، بل ووصل به الأمر أن بات أكثر وقاحة فيظهر في النهار كما الليل .. ومن فرعنه سوى غياب الاهتمام من الحكومة والبلديات – أستغرب كيف نبني مؤسسات دولة ونريد مكافحة الاحتلال ونحن لم نكافح (البعوضة) وينخرنا (الباعوض)!! النظافة يا سادة عنوان هام من العناوين التي يتعين أن تقدمها أمة في مشروع (ترقيتها) و(تنميتها) .. ومن الهسهسة البعوضية: انتشار الأمراض خصوصا في الأرياف .. هل يظن البعض في مؤسسات الحكومة أن تلك المناطق لا قيمة لها لدرجة الإهمال : وآه من الاهمال الذي تعانيه الأرياف في كل شيء حتى (البعوض – الهِسهِس) كم أتمنى أن تنطلق مبادرة –جريئة – لصرف ميزانيات مكافحة (الهُسْهُسْ) في كل الوطن .. لأننا بشر ونستحق حياة أفضل تخلو من (هَسْهَسَةِ –البعوضة) .. على الأقل

ملاحظة / أين عمال القمامة في الريف الفلسطيني ؟ هل هم مشاركون في ثورة ميدان التحرير مثلا أم ماذا؟

(4) مظاهر من الهسهسة الباعوضية

بالتأكيد –عزيزي القارئ –  تبضعت في إجازة نهاية الأسبوع، سواء يوم الخميس أو قبل صلاة الجمعة أو بعد صلاة الجمعة .. وبالتأكيد  -قرصت ولسعت – يدَكَ (البواعيض) المتواجدة في سوقنا الفلسطيني بالغلاء الفاحش .. دون رقيب أو حسيب أو حتى ضمير .. هل نستطيع بالفعل بناء دولة بلا ضمير يجتاح صغيرنا وكبيرنا فيجعلنا نحتمل (مسؤولية بعضنا) (وعملنا) ..

من الباعوض –أيضا – موظف حكومي هنا أو هناكــ … يُقابل المواطنين المراجعين بمعاملاتهم بأسلوب فظ قبيح، وأحيانا (لا يتنازل) وأن يبحث شكوى أو حاجة المواطن بشيء من المهنية والمتابعة السليمة وإرشاده .. فالصراخ أحيانا أسلوب تعامل! والنرفزة وتقطيب الوجه أسلوب تعامل أخر .. والأسوأ : الموظف غير موجود على مكتبه لماذا؟ لأننا لا نأخذ أنفسنا على محمل الجد .. ونعتبرها مجرد وقت يمضي وراتب نتقاضاه .. ألسنا كذلك إلا من رحم ربي ؟!

ومن الباعوض أيضا : من يعمل على هسهسة عماله، فهو يمتص عقولهم وجهدهم وعافيتهم في العمل بأقل الأجور! عزيزي القارئ : كم مرة تم مواجهتك بعبارة : العرب نصابين ! الشغل عند اليهود أحسن ! عامل باسرائيل بطلع قد راتبك ألف مرة .. كم مرة واجهك وصفعك في وجهك وبكل  ما تعلمته أكاديميا واقع مرير كهذا؟ .. بالمقابل : عاملنا الفلسطيني عند الفلسطيني سواء كان عاملا مهنيا أو موظفا في قطاع  ما  .. يُستغل بأقل الأجور.. ويتم امتهانه كثيرا .. ومن ثم!!  نستهجن هجرة الشباب ومعدلات الجرائم و تزايد أعداد المدمنين!!

من الباعوض أيضا : معلم فلسطيني يمتص  جيوب أولياء الأمور بالدرس الخصوصي، وعجبت لكثير من الأحاديث حول معلمين لا تندفع  في عروقهم حرارة الدرس والتعليم في الدوام الرسمي فهم إما متثائبون أو متجاهلون سوى الدرس الخصوصي .. فجيب ولي الأمر  يمتصه هؤلاء  وعقول الأبناء إلى هباء .. وبما أن الشيئ بالشيئ يُذكر .. متى سيتكرم المسؤول باستخدام (أسطوانة) (الترقية) للنظام (التربوي أولا) و(التعليمي ثانيا) في بلادنا ..  أوليس إهمال (عقول الأطفال ) هسهسة للشعب بأسره ؟؟ .. ربما.

كثير هو الباعوض، في السياسة، في تعاملنا الاجتماعي مع بعضنا  البعض، في التعليم، في الأمن، في كل مكان،  والخلل لا تحتمله (التعليمات وحدها) ولا (القرارات) ولا (الانظمة )  فقط، بل يمتد إلى ثقافة سائدة يتم تناقلها وتغذيتها في العقول بدءا من المنزل مرورا بالمدرسة، والمقهى، والملاعب والنوادي والمكاتب وفي كل مكان … ثقافة بلا ضمير!

(5) مكافحة الهسهس!

مثلما نحتاج إلى عمال النظافة لتنقية أجوائنا من القمامة التي تجلب الهُسُس؛ نحتاج الى اشتباك مع أنفسنا في عادات سقيمة وأفكار  سلبية وسلوكيات دونية تجتاحنا، فالخطط التطويرية يتعين أن ترتكز (الآن) على التنمية البشرية.. تنمية السلوك الإيجابي والأخلاقي .. وأن تكون (عامة) فيصبح  فعل التغيير والتنمية ظاهرة عامة تستهدف كل الشعب بأطيافه ومناطقه على اختلاف حاجاتها .. لا أن تكون ورشات عمل هنا و هناك  وكفى!

ربما تستطيع هيئة مكافحة الفساد التي تم استحداثها أن تكون ضابطا إداريا وماليا على المسؤولين؛ ولكن الحاجة الأكثر إلحاحا هي المنظومة الشاملة التي تضبط السلوك العام .. فالفساد يبدأ بخلل التربية وينتهي بكل مظاهر (قلة التربية ) ..وظهور (الهُسهُس والباعوض) مؤشر على مستوى النظافة… وكم أتمنى أن نرفض أن (نتهسهس) برفع الصوت أمام كل هذا وإعلاء كلمة الضمير في النفوس.