تشير معطيات كثيرة إلى أن المصالحة الفلسطينية-بالرغم من كل ماأنجز على طريق تحقيقها حتى الآن- لم تعد قريبة المنال في كل الأحوال. بعدسنوات تبدو الأسباب التي أدت للانقسام قد اندثرت وزال أثرها، إلا أنه سرعانما حل مكانها منظومة معقدة من المحرضات على دوامه، والمبررات لعدم العودةعنه أو تجاوزه، ما يمكن تسميته بالاقتصاد السياسي أو منطق الانقسام. الاتجاه الغالب عند طرفي الانقسام يميل نحو التكريس والتطبيع مع الواقعوإدارته على نحو من الأنحاء. وإذا كان شكل من أشكال المصالحة السياسية (أقرب إلى تطبيع العلاقات) قد تحقق بالتقبيل والمصافحة واللقاءات العلنيةوالابتسامات العريضة، غير أن ما بقي على الأرض فعلاً هو بالضبط ما انطوتعليه خطة شارون: دوام الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتخليق وضع سياسيفلسطيني يدير هذا الفصل ويتكيف معه، ما يجحف، في نهاية المطاف، بفرص إقامةدولة فلسطينية مستقلة وسيادية.
وإذا كان الوعي المأزوم والمهزوم هو ما مهد للانقسام وسوغه وبرره،فإن منطق الانقسام، أو اقتصاده السياسي، مع مرور الزمن، بات ينتج بدورهوعياً مشروخاً مشوهاً وخصوصاً أن التكيف معه بات سمة غالبة عند الجميع. اُستدخل الانقسام ومنطقه الأعوج ضمن منظومات السلوك والتفكير لدىالفلسطينيين؛ تارة بوصفه حجةَ المنقسمين بعضهم على بعض حين النقد والمساءلةفي قضايا الناس، وتارة ذريعة للقعود والكسل والعجز في قضايا الوطن. ودائماً، بوصفه موضوعاً ساخناً لإدارة مشتركة ولئيمة من قبل الطرفين علىالنحو الذي يظهرهما وكأنهما يقومان بواجباتهما تجاه الناس وتجاه الوطن.
وقع الانقسام (بغض النظر عن أسبابه المباشرة والمدعاة) في سياقسياسي وتاريخي معقد اتسم، أولاً، بهشاشة الهوية أو عدم نضجها واكتمالها،وثانياً، باختلال التوازن الاجتماعي بين مكونات النظام والمجتمع. هذا علاوةعلى الفصل الجغرافي، والاستقطاب السياسي الحاد، والانكشاف الهائل تجاهالداخل والخارج. واليوم يفاقم الانقسام (بغض الطرف عن مبررات استمرارهالمعلنة والمدعاة)، أزمة الهوية والوعي، اختلال البنيان الاجتماعي، تعميقالفصل وتكريسه، زيف السياسة وبطلان فعالياتها، الاحباط والعجز والتسليمالقدري.
والواقع، أن الفلسطينيين يواجهون، منذ أكثر من قرن، ذات المعضلة،أي معضلة تشكيل وبناء الأمة: تحرير أرضهم من غاصبها، تعزيز صمود من بقيمنهم على ما بقي منها، بعث شخصيتهم الوطنية وتطوير هويتهم، انتزاع حقهم فيتقرير مصيرهم، عودة من هُجر منهم كرهاً وغصبا، أي صيرورتهم مواطنين يدينونبالولاء الوطني لدولة خاصة بهم فوق تراب وطنهم (إقليمهم الجغرافي). غيرأنهم، في جميع مراحل كفاحهم الوطني، تعرضوا إلى سياسات وممارسات استهدفتتشتيت مجتمعهم، وتقطيع هويتهم الوطنية والحيلولة دون نيل استقلالهموسيادتهم في دولة مستقلة. وإذا كان من الصعب إنكار مسؤوليتهم عن بعض ما لحقبهم قبل الانقسام بعقود، غير أن الانقسام، سجل لأول مرة في تاريخهم "مساهمة نوعية متميزة" في استهداف تدمير الذات، وإضعاف القدرات وتبريرسياسات الأعداء وممارساتهم.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالهوية وتطورها، فقد تأرجح الانتماءالفلسطيني، طوال مسيرة الكفاح، تحت ثقل الحركات والأيدلوجيات المختلفة منجهة، وتحت وطأة واقع التجزئة والتدخل الإقليمي من جهة ثانية. فلم يتبنالفلسطينيون فكرة الدولة الوطنية مبكراً، وأفرطوا في الاعتماد على المحيط،ودائماً بقيت مسألة الإقليم محل خلاف وجدل عميقين بينهم. ومع تنامي تأثيرالاتجاه الإسلامي وصعوده البارز، أخذت أزمة الهوية الفلسطينية أبعاداًأخرى، من بينها تأجيج الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي، وصولاً إلى لحظةالانقسام، تعبيراً عن فشل النظام في التحول وإعادة تعريف مكوناته ووظائفهفي سياق متغير. فشلت السلطة الفلسطينية في تحقيق الاندماج السياسي والوطنيلأسباب تتعلق بطبيعتها وقيودها وبالطبع ممارساتها، بينما نجح الاتجاهالاسلامي في طرح المكون الإسلامي للهوية وإبرازه على حساب المكونات الأخرى. مع احتدام الصراع على السيطرة، جرى تصعيد خطاب "المؤامرة" من قبل الأطرافالمتصارعة، وسرعان ما جرى افتعال جبهة مواجهة، مفردة وحادة، على قاعدةإطلاقية أخلاقية، وعلى أساس تحديدات تعسفية للهوية (نحن/هم)، يتم عبرهامَفصلة القضايا المركزية ضمن منطق الانقسام وتبرير تضييق مساحة التنوعوالتعدد.
واليوم، بعد مرور سنوات على الانقسام ومأسسته ومظاهر التكيفالسلبي معه ودينامياته المختلفة، لا يصعب ملاحظة مدى ما لحق بالهويةالفلسطينية، ومرتكزاتها السياسية والثقافية، من ضرر وأذى بالغ: في شروطهاالثلاثة؛ السياسي (ضعف الاندماج السياسي) والاجتماعي (اختلال التوازنالاجتماعي)، والديموقراطي (تراجع الحس المدني والمواطنة).
(1) في الشرط السياسي: من بين أوجه الفشل التي مُني بها مشروعالسلطة الفلسطينية، بوصفها خطوة أو مرحلة على طريق بناء الدولة، فشلهاالذريع في عمليات الاندماج السياسي، الذي لا يعني فقط بناء مؤسسات الدولةأو شبه الدولة. جاء الانقسام ليكرس نتائج هذا الفشل من ناحية، وليضيف عواملأخرى تحبط أي عمليات إندماج. في زحمة حروب "الانقسام" أزيحت الرموزالوطنية جانباً، وجرى الحيلولة دون استيعابها لتبقى مثلما كانت منذ انطلاقةالثورة المعاصرة، بمثابة منظومة تفسيرية أو أيديولوجيا وطنية، تسمحبإمكانية الاختلاف والصراع دون أن يهدد هذا الأمر استقرار النظام ككل. اُستبدلت المنظومة باستدعاء وتوظيف الولاءات العائلية والجهوية والفصائليةعلى حساب عقلنة السلطة. كما ساهم منطق الانقسام وحاجة القائمين على إدارتهإلى تبرير استمراره، في تعزيز عمليات التعبئة على أسس ضيقة، مكرساً الفصلالجغرافي والتفكك الإقليمي، ومولداً شروخاً وتشققات مجتمعية، فاقم منتأثيرها الاستخدام المباشر للمفردات الدينية الاطلاقية، وهو ما حرضالفلسطينيين على الاغتراب أكثر من انخراطهم الجماعي والفعال في عملياتالتجديد المشترك للهوية (إعادة التحديد والتعريف)، فهذا النشاط، بوصفهسياسياً من حيث الطبيعة، يعتبر بمثابة تهديد للهوية المتشكلة فعلاً. لم يعدمناصرو الانقسام والمستفيدون من استمراره يرون أنفسهم جميعاً في "القاربذاته"، بلغة فرانز فانون، وأن مصائرهم مرتبطة بعضها ببعض، وأنهم يشكلونجزءاً من شيء أكبر من التنظيم أو الجهة. ولأن الهوية الوطنية تتفتح وتزدهرإما في ظل دولة تتبنى سياسات تطويرية، وإما في ظل كفاح وطني من أجل هذهالدولة، فقد أجهز الانقسام على فرص تطوير الهوية المشتركة بتغييبه اعتباراتالتحرر الوطني واسقاط مهماته عن الأجندة، في وقت اشتدت فيه وطأة الاحتلال. وقع الفلسطينيون في وهم الصراع على الهوية، حتى أن بعض الفعاليات الوطنيةالمشتركة غالباً ما تُحبط لأسباب تعزى للانقسام ومنطقه المقلوب.
(2) أخل الانقسام بالتوازن الاجتماعي، أي كل ما يمّكن مجتمع الفلسطينيينفي الضفة الغربية وقطاع غزة من عمليات التكيف والتوافق، من حيث أضعف قدرةالمجتمع والنظام على التحكم في أسباب التوتر والاحتقان والصراع الداخلي،ومواجهة التحديات والمتغيرات الخارجية ومدى القابلية الاجتماعية للتأقلموالتفاعل معها. شملت عملية الاخلال المرتكزات التالية للتوازن: الظروفالمادية الملائمة، أسباب التحرر من الخوف، الشعور بالأمن، سيادة قيمالتسامح والسلم، التواصل الإيجابي وشبكات التفاعل، الاندماج الاجتماعيوالمساواة الاجتماعية. تفاقمت ديناميات التفرقة والتجزئة وإضعاف نوعيةالحياة والمجتمع بمؤشراتها المختلفة (العدالة والإنصاف، المسؤوليةالاجتماعية، الانتماء، الاندماج،..)، وفي غضون ذلك، تعمقت حدة التفاوتوالاختلال بين الضفة الغربية وقطاع غزة: في الضفة الغربية تُقر خطة إصلاحوتنمية وبناء مؤسسات، وفي غزة تُدار برامج المساعدة الإنسانية واقتصادالكفاف، هنا استثمار ومؤتمرات اقتصادية وبرامج تطويرية، وهناك تجارة أنفاقوأزمات وقود وكهرباء، إن من شأن ذلك أن يولد واقعين اجتماعيين مختلفين معمرور الزمن، سيُحدث بالضرورة مزيداً من الشروخ في الهوية والوعي، باختلافالأجندات والهموم والقضايا وأنماط التعبئة. إن التدقيق المعمق في مخرجاتأداء القائمين على إدارة الانقسام، هنا وهناك، من حيث تعميق التفاوتوالانكشاف والإقصاء الاجتماعي وتدني مستوى الرفاه الاجتماعي، واشتدادالهجمة على الحريات والحقوق، وانتشار الفساد وخصوصاً المحاباة الفئوية،يظهر بصورة لا تقبل الشك أن هذا الأداء يهدف –بقصد أو بغير قصد- إلى تعزيزالميل نحو التفكيك، والتفسخ المجتمعي. واللافت أن قوى الانقسام ذاتها تبادرإلى استغلال هذا الواقع المأزوم جراء ممارساتها في عمليات التجييشالمتبادل بتوظيف مشاعر السخط والإحباط واليأس في أوساط غالبية الجمهور،وإضفاء طابع أيديولوجي وسياسي على عمليات الفرز الاجتماعية. ومثلما يرىعلماء الاجتماع أن إعادة تعريف الهوية وتحديدها بصورة مشتركة، يعتبر أمراًبالغ الأهمية للشعور بالأمن والرفاه النفسي والاجتماعي، فإن القلق وتدنيمستوى الرفاهية، من شأنه التعجيل بتمزيق الهوية وإضعاف الانتماء العام. ديناميات الانقسام (من قبيل الاعتقال السياسي والتحريض الاعلامي وحرفالأجندات ومفصلة القضايا المركزية)، يضرب عصفورين بحجر واحد: يدفع بأسبابإضافية ودائمة للقلق وتوتر الشخصية، ويعيد إنتاج كل ما من شأنه التقليل منمستوى الرفاه.
(3) شوه الانقسام جدلية الاستمرار والتغير المرتبطة بالهوية، أيعمليات بناء الإجماع عبر الديموقراطية. الهوية بناء وهمي، تصور جماعة عنذاتها وعن العالم حولها. وهي بوصفها كذلك، تشهد إعادة تعريف وتحديد ضمنسياقات متغيرة. فبعدما فشلت القوى المتصارعة في إعادة بناء سياسي تعدديوتشاركي، انتقلت من الاقتسام إلى الانقسام، ما أصاب فكرة المواطنة فيالصميم، من حيث تكبيل الحريات وقمع الحقوق، تعطيل دور المجلس التشريعي،واللجوء للعنف. أمعنت قوى الانقسام في حقن "جبهة المواجهة" بموضوعات الخلافوالتعارض، مرتكزة إلى عناصر في الثقافة الشعبوية السائدة، وموظفة الفضاءالرمزي السياسي والتاريخي بما لا يقبل التفاوض على قاعدة احترام التنوعوالتعدد الاجتماعي والسياسي. إلى جانب ذلك، فاقم الانقسام تناقضات الشخصيةالحقيقية-حامل الهوية- فأفقدها استقرارها وتوازنها ووضوح أهدافها، ووسعالفجوة بين واقع الفلسطينيين المادي، وبين تصورهم لهويتهم، ففقدوا القدرةعلى الوعي بالذات والوعي بالواقع. وبانقسامهم، خاطر الفلسطينيون بفرصةإعادة بناء عقدهم الاجتماعي الجديد، استناداً إلى تعزيز المشاركة الواسعة. الانقسام يقضي تدريجياً على أي أثر للروح العمومية، للوعي الجمعي والإرادةالعامة، إذ تجري عملية منهجية منظمة لإفراغ الحيز العام (الحياة السياسيةوالاجتماعية) من مضمونها الفعلي. إذ يصعب القول أن ثمة حيز عام يشهد صراعاًبين أفكار وبرامج سياسية وحركات اجتماعية، ولعل التعديات الصارخة والقيودالجائرة على مساحة الفعل الاجتماعي والسياسي (ملاحقة منظمات المجتمعالمدني، قمع تعبيرات المعارضة السياسية والتحركات الجماهيرية كما حدث فيأذار 2011) لدليل على ذلك.
في ضوء ما سبق، يمكن القول أنه إذا كانت المصافحة ضرورية كمدخللتجاوز هذا الانقسام "الأسود" بلغة القائمين على إدارته، فإن الرد الحقيقيعليه لا يكون إلا بمصالحة تنطوي على فكرة إعادة بناء الإجماع، على مستوىالوعي الوطني وتعزيز الانتماء، الكيانية السياسية والمؤسساتية، الاتفاق علىالقضايا المركزية (ثوابت النظام) والتطلعات الوطنية، يعبر عنها برؤيةوإستراتيجية موحدة. مصالحة تحول العداء (غير المبرر) إلى صراع (مرغوب) تحكمه قواعد الديموقراطية وأنظمتها، وتقتضيه دواعي الصمود والمواجهة.
* نقلا عن الوسط المصري
