"حيفا غزة" التي غرقت في حصار المدينة
تاريخ النشر : 2014-04-23 13:35

مدينة البحر لم تعد جميلة بعد أن شوه الحصار وجهها فغابت في ظلام دامس واختنقت برائحة السولار وفقدت صوتها المبحوح صراخا ولا أحد يسمع فضجيج المواتير غلب أي ضجيج...

مدينة البحر حزينة كابنة الشاطئ التي هي الأخرى لم تعد جميلة كمدينتها أربعون عاما من عمرها اختصر الزمن بؤسها وضاعفه مرات ومرات في السنوات الأربع الأخيرة لتصبح هي الأخرى ضحية جديدة في عداد ضحايا "الحصار"..

زرتها في منزلها المطل على شاطئ بحر غزة في موقع يجعل منه سياحيا من الدرجة الأولى أو على الأقل هكذا أحلامها لأنه في عالم الواقع بدائيا فقيرا متهالكا...

"حيفا" كما أرادها والدها نسبة لمدينته المسلوبة هي حيفا بمعنى الكلمة أربعون عاما من عمرها أكل عليها الدهر وشرب لكن طبقة الحزن على وجهها تخفي تحتها ملامح امرأة شرقية بعيون كزرقة البحر أو أشد لونت شمس الشاطئ بشرتها بسمرة لم تدم طويلا فقد احترقت بفعل شمس السوق الذي افترشت أرضه ببسطة صغيرة تعيل منها أبنائها السبعة..

 * القصة التى فازت بجائزه المرأة المبدعة عن فئة الاعلام

جلسنا في غرفة يطل شباكها على البحر أكبر أبنائها في الصف الثالث الإعدادي وصغيرهم لازال يحبو أمام ناظرها تحدثنا طويلا وسرعان ما غابت في الظلام الدامس صوت صغيرها انفجر باكيا كبيرهم قال "مش معقووول" والبنت الوسطى انسكب الشاي على يدها بينما كانت تعده لنا نادت بأعلى صوتها في زحمة مواتير الجيران "محمد هات شمعة يا أمى" ردت نور من داخل المطبخ "الشمع خلص"....

أخرجت حيفا ما تبقى في جيبها من شواكل وذهب محمد لشراء الشمع...

شمعة في الغرفة التي نجلس فيها وأخرى في المطبخ تكمل نور على ضوءها إعداد الشاي وجلس محمد على الشمعة يستكمل دروسه بينما وضعت رابعة في الحمام لصهيب الذي يغتسل من رائحة العرق فهو يبيع البسكويت على إشارات المرور رغم أنه لم يتجاوز الخمسة عشر عاما!!!!

تنهدت حيفا تنهيدة طويلة وحدثتني طويلااا عن حالها فهي كغيرها من الفلسطينيات عانت وتعاني من الحصار المفروض على قطاع غزة زوجها فقد عمله في احد المصانع وشيئا فشيئا باعت مصاغها حتى أنها لم تبقى على خاتم الزواج "الدبلة" في آخر محاولاتها لتوفير لقمة عيش لأبنائها الذين حاصرتهم أيضا الخلافات بين أمهم وأبيهم هذا الرجل الخمسيني المدخن فعلبة سجائره بعشرة شواقل تساوي طبخة للأولاد وهذا ما لم يعقله الرجل الذي اعتاد على "شخللة جيبه" بالشواكل ولم يبخل يوما على زوجته أو أطفاله ولا على نفسه التي يعزها بعلبة سجائر كاملة يوميا حتى أصبح كالمدمن عليها..

جلس أبو صهيب في المنزل لثلاث سنوات متواصلة عجز عن إيجاد عمل فاستدان واستدان واستدان وغرق في بحر الديون ولقمة العيش بلكاد تصل لأبنائه حتى وصل الحل وعلى رأي حيفا فقد "دله أولاد الحلال على الحل" انه "الأترمال" أو عقار ترامادول فبدأ بربع حبة من صاحب ثم نصف حبة من جار ثم حبة كاملة على حسابه الخاص حتى أصبح يتناول حبتين إلى ثلاث في اليوم ولم يعد يكفيه شريط كامل لأسبوع واحد أي ما يعادل "70 شيكل" ومن الأنواع الرديئة "40 شيكل" ....

بكت حيفا طويلا وذابت كالشمعة التي تحترق أمامنا شيئا فشيئا وهي تسرد لنا حكايتها التي عزت عليها نفسها أن تصل الأمور بزوجها لضربها وهو الذي ما رفع صوته يوما عليها...

ضربت مرة واثنتان وثلاث أحدهما بكف رسم على معالم خدها ومرة أخرى حذفها زوجها ببرواز خشبي يحمل صورة ابنهما الأكبر "فرحة عمري" على حد وصفها وثالثة كسر لها فيها يدها حتى فاض الكيل بها فذهبت لبيت أخوها وما ردها يومها إلا استنجاد أبنائها بها من أبيهم الذي "فش خلقه" فيهم بالضرب والنهر والعصبية...

اضطرت حيفا للعمل فاستدانت من أخيها مبلغا صغيرا وبدأت بشراء الخضار ووضعهتا على بسطة بسيطة جدا في السوق منها تأكل ومن ربحها تعيل أبنائها وتسد دينها وعلى رأيها "مستورة"...

أما عن حال أبو صهيب فلايسر عدو ولا حبيب "يستلقط رزقه" من الأترمال من هنا وهناك يفرغ جل عصبيته عليها وعلى الأبناء موجود وغائب كأي قطعة أثاث في المنزل لايقربها منذ أكثر من سنتين وبالكاد يجالس أبنائه على طعام متواضع صبت فيه حيفا عرق جبينها ..

طلت حيفا من الشباك على صوت صريخ فإذا بابن الجيران وضع يده على المولد الكهربائي فصابه ماس كاد أن يوقف قلب أمه عليه نظرت بعدها حيفا صوبي واختصرت مأساتها فقالت :"كل يوم على هالحال مواتير حتفجر روسنا الناس بتتخانق على كل شيئ ما عندها صبر زوجي بيرجع البيت بنص الليل حياتنا عايشينها على شمعة ملابس أولادي من البالة وأكلنا أبسط ما يكون لو لقينا غااز نطبخ عليه والحمدلله على كل حال...