غزة " خاص نوى "تقف سعاد الغماري 70 عاماً, في قسم خُصص لها؛ لعرض مشغولاتها بجانب المنصة التي نصبت في منتصف المعرض, تحت لافتةٍ كتب عليها "سعاد للمطرزات", ترتدي الثوب الفلسطيني وبزهو العروس تبتسم فيبرق سنها الذهبي الذي زيّن فاها.
وبصوت الزغاريد الذي أعلن دخول فرقة الدبكة الشعبية وصوت الزاجل الفلسطيني الذي صدح ليطرب ويجذب الحاضرين, اعدت الحاجة "سعاد" نفسها لتحتفل, في معرضٍ ألفها وبدونها لا يكون, حيث تشارك في المعرض للمرة الحادية عشر.
في مكان استحضر كل فلسطين بخرائطٍ طُرزَّت في أذهان كبارها لينقشوها في أذهان صغارهم, وحاكو لها مطرزاتهم, وعلقت على جدران المعرض الذي احتضن أعمالهم, والذي أشرفت عليه وزارة شؤون المرأة بالتعاون مع أكثر من 23 جمعية خيرية وأهلية تُعْنى بالمرأة.
بعيونها الخضراء اللاتي يمتلكن أربع نظارات, تمدُ الحاجة سعاد نظرها فتخترق زجاج الشباك الذي يبعدها بضعة أمتار, لتطول البحر, تسرح فتتراءى لها تلك الطفلة الشقية التي لم تكمل الأربعة أعوام.
تركض كل يوم خلف جارتها لتعلمها فن التطريز فتقولُ لها "نامي ولما تصحي بكرة بتكوني كبرتي وبعلمك", وتارةً أخرى يغلب عنادها الجارة فتوخزها بالإبرة في محاولة منها لإبعاد يديها الصغيرتين عنها.
كيف كان التطريزُ هوايةً وشغف منذ الصبا؟ وكيف أصبح سندها ومعيلها في الحياة؟ المهنة التي منها وفرت العلاج لزوجها المريض بالسرطان وصارعه لمدة 3 سنوات.
فارقها ليرتاح من ألمه ويريحها من مصاريفه وتكاليف علاجه, ليترك لها هماً أكبر وألماً أكبر, ولدين وابنة أصغرهم 4 سنوات, فحلمت المسؤولية ...
سهرت وتعبت لتطعمهم وتربيهم وتعلمهم, بإبرةٍ وخيط لم يتخلوا عنها في شدتها, زوجت ابنتها بعد بلوغها 14 عاماً ولم تشأ أن تعاتب نفسها, لأن ظروفها كانت هي الأقسى, فتسعفها ذاكرتها وتواسيها بابنيها الخريجين من الجامعه فتنفرج سريرتها.
في الخمسينات من عمرها أصبحت تقتني أربع نظارات تخصص كل واحدة بوظيفة لتقوى عيونها الخضراء على النظر, ولم تتخلى عن التطريز, ذهبت للحج وتعرفت على الجالية الفلسطينية فطلبوا منها تعليمهم التطريز سُرت كثيراً ووفرت مبلغ يساوي حجةٌ أخرى, قهرها البعد والفقر والحاجة, فقضت عليهم جميعا بإبرة التطريز.
تبتسم وترجع من شرودها حينما يأتي أحد الزائرين, لشراء ما يعجبه من معروضاتها التي تنوعت بين معلقات رسمت عليها عرسٌ فلسطيني, وحقائب يدوية وقرطاسيه ومعاصم أخذت شكل العلم الفلسطيني وغيرها من الزخارف الهندسية التي نسقت ألوانها بعناية فائقة.
تشيرُ بفخر إلى ثوب فلسطيني لتعرضه أمام إحدى زائراتها وتوضح لها بأن هذا ثوب قريتي "كوفخا" وهي من أراضي 48, فقد كان لكل قرية فلسطينية ثوب يميزها عن غيرها من القرى.
تلتفت الى طفلة مرت بجانبها نادت عليها, وقبّلتها ألبستها أسورة يد طرز عليها علم فلسطين, فتبسمت الطفلة ببراءة لم تخلو من ذكاء وأومأت برأسها أن قد فهمت رسالة الحاجة.
جلست أم محمد تحدث نفسها "الشجرة لما تنزرع عروقها وجذورها بتضرب بالأرض بس بتحتاج الي يسقيها المية" وتستطرد "جولد مائير لم تفقه من القول شيئاَ عندما قالت "الكبار يموتون والصغار ينسون"" ...
ملاحظة:- " القصة مخرج دوره تدريبة الرجاء وضع الملاحظات والتقيم على القصة
