تأمّل في رواية"امرأة من هذا العصر
تاريخ النشر : 2014-04-06 10:39

"امرأة من هذا العصر" رواية لا يمكن أن تقرأها دون أن تُبحِر مع تفاصيلها في مُحيطٍ من الحِكَم واالتعبيرات اللغويّة العميقة، فيضٌ من العِبَر تشتشفّها، تغوص في عُمق الفِكرة وتصفعك الحقيقة، فتصحو منها وأنت من جديد في قلَب الموج تتقاذفك تناقُضاتٌ جديدة، فتندهِش كم أنّها رواية الحقيقة.

رواية تكشِف عن الهُوة العميقة في علاقة الرجل بالمرأة في مُجتمعنا العربي، وتعرِض نماذِجاً مختلِفةً لرِجال يحمِلون عقليّة شرقيّة، وتلخّص ببساطة وسرد ممُتِعين التناقضات التي يعيشها االمجتمع الشّرقي بين التحرّر والعبوديّة.

مُجتمع تنخره أعباء الأفكار والمعتقدات البالية وتستوطِن عقله الباطِن، وفي العلَن يدّعي التغيير والثورة.  مُعتقدات وقيَم تُعذب أصحابها بسبب الصِراع الذي يعيشونه بين ما فُرِض عليهم وما يريدونَه ويتمنّونه.

في "امرأة من هذا العصر" تقتحِم هيفاء بيطار، المُستتِروالممنوع، وتكسِر الحواجِز والخطوط الحُمر، وتتحدّث بطلاقة عن ماهو علني وما يُمارس حقيقةً في الخفاء، فبطلة الرواية امرأة في منتصف الثلاثينات تُصاب بسرطان الثدي، ويتطلب ذلك خضوعها لجلسات من العلاج الكيميائي، فتبتكر طريقة ذكيّة لتمرير الوقت ولمساعدتها على احتِمال ثِقَله وتأثيرات العلاج، فتقرّر استِعراض شريط حياتها ونماذِج الرجال الذين مروّا بها.

تجذِبُك الكاتبة في البداية لذلك االتغيير الذي أصابها جرّاء المرض وحوّلها من امرأة حاقدة على الحياة الى امرأة تعشق كل مظاهر الحياة، فتُصبِح القُمامة في الشوارع أمل يُبشّرها باستمرارها، وتصبِح تلك النّبتة على شُرفة منزلها والتي كانت تِئنّ من الاهمال والعطش، تتحوّل الى وليد أصبح احتضانه ورعايته أحد أولويات حياتها، فبعد المرَض يصبِح للحياة قيمة، وللوقت قيمة، وللحُب قيمة.

تستعرِض هيفاء بيطار نماذِج مختلفة لرِجال مرّوا بها أومرّت بهم، فمنهم المتديّن المُحافِظ الّذي لا يقبل بتجربة سابقة في حياة شريكته، ومنهم من هو متحرّر ومُدافِع عن حرية المرأة في العَلَن، قامِع لها في السرّ، ومنهم من هو البخيل في عواطفِه ومشاعره الاتّكالي الّذي اعتاد أن يأخذ فقط دون أن يُعطي، لكن ثمّة فرق عظيم بين أن يخوض الانسان علاقة عابرة من أجل تلبية احتياج جسدي آنيّ، وبين علاقة يُغلّفها الحُب، ولم تعرِف هذا الفرق الّا عندما التقت بأحمد الطبيب الوسيم الّذي اجرى لها عملية جراحية.  تصف الكاتبة الشّعور، بميلاد جديد، ميلاد قصّة عِشق بين قلبين، مثل برقٍ يلمع عند تلاقي سحابتين سارحتين في الفضاء صُدفة، فتلتمع السّماء، ويخرق صمت الحياة صوتا يعلن عن مولد المطر، بريق التمع بين العيون، فولّد زلزالا من الحُب.

لكنّ الحُب اصطدم فيما بعد بحائط التقاليد وسقف الممنوع والحرام، فتعيش قصّة حُبّ في مُجتمعٍ مازال يخضع لسطوة التّصنيفات الاجتماعية والأغلال الدينية، فأحمد الولد الوحيد لأهله، نشأ نشأةً مُحافِظة، لكنّه واقِعٌ في حُب فتاة حُرّة و لادينيّة فتاة تشرب البيرة وتدخّن السّجائِر، ويبدأ الصراع عند أول موعد غرامي صِراع بين الحُب والتقاليد، بين الدين واللادين، بين الحريّة والحقيقة ، بين زوجته التي يعشق وأمّه التي يحترِم، وهو من كان يبحث عن نسخة طبق الأصل عن والدته، لكنّ رشفة الحُب التّي رشفها أثملته وعزلته عن واقِعه المُحافِظ، وينتصِر حبّهما على سطوة الأم وثِقَل التقاليد العائلية، وتقبل الأم بحبيبة ابنِها مُكرهه ويتزوّجا. في هذه الجزئية ثمة جماليّة بليغة، فتصِف الكاتِبة بدقّة العالم الجميل الذي تعيشه مع حبيبها، عالم يتكلّل بانصِهار تام بين روحين وجسدين فيُصبِحا واحِد، ويكون فِراش العِشق مُختبر الحُب وجِسر تجاوُز قيود المُجتمع وأمراضُه، فالجنس هو لغة الحُب، والجسد أداة التعبير عنه.

تصف الكاتِبة تناغم روحين وجسدين معا بالسمفونية التي يعزفها عاشقان مولعان لينشُرا موسيقى عذبة،لكن صِراعا جديداً يبدأ بين الزوجة المُتحررة والأم المُحافِظة، وتدخل الزوجة في دوامة من التنازلات من أجل أن يعيش الحُب، دوّامة تبدأ ولا تنتهي، لتجِد نفسها وقد فقدت ذاتها وانسانيّتها، ففي كلّ لِقاء مع العائِلة عليها أن ترتدي قِناعا يُرضيهم الى أن تلاشى وجهها الحقيقي تماما فلم تعُد تعرِفه، ويرضخ الأبن لسطوة الأم ويُضحّي بالحُب، وتنتصِر التقاليد، تخوض علاقات متعدّدة مع نماذج مختلفة من الرجال من أجل اسكات حاجات الجسد ومن أجل أن تنسى تِلك النّشوة، نشوة العِشق، وعبثاً تُحاوِل، فتكتشِف بأن رغبات الجسد وحدها ليست أكثر من محاولات لمحو الصورة الحقيقية التي تشكلت في وجدانها للحبيب الذي لا يُمكن ان يتكرر، فالحُب والجِنس وجهان لحقيقة واحِدة هي الانسان، ولا يُمكِن فصل أحدُهُما عن الآخر.

" امرأة من هذا العصر" رواية تخطِف الأنفاس فتأخذك لعالم من الأحلام الجميلة وتُحلّق معها على بِساطٍ سِحري، لتصطدِم من جديد بالواقِع، الواقِع الّذي يبيّن عُمق التناقض في الشخصية العربية، فوراء هذا الشكل المُتحرر من الحياة، شرخاً هائلاً في علاقة المرأة بالرجل، وفي علاقة كل منهما بنفسه.

 *ناشطة نسوية وكاتبه اردنية