اتصل بي رجل ظهيرة اليوم لأخذ موعد في العيادة لزوجة أخيه، فضربت له موعدا الساعة الرابعة عصرا. الساعة الرابعة والنصف، اتصل الرجل نفسه يعتذر عن التأخر بسبب أزمة سير في الطريق، فقلت لا بأس وأني سأكون بانتظار المريضة. الساعة الخامسة والنصف، طرق باب العيادة رجل ملتح يرتدي دشداشة قصيرة وقبعة دائرية بيضاء فوق رأسه، ألقى السلام، فرددته، ثم اعتذر مرة أخرى على التأخير، ونادى على أخيه وزوجة أخيه. دعوت المريضة للتفضل بالدخول، وسألتها إن كانت تفضل أن تكون وحدها أو برفقة زوجها،فارتبك الزوج من سؤالي، وبدا الارتباك على المريضة أيضا، لكنها أعربت عن عدم ممانعتها لوجود الزوج آخر الأمر.
بعد أن قمت بسؤال المريضة عن شكواها، وعن تاريخها المرضي، ومن ثم فحصها سريريا تبين حاجتها لإجراء عملية جراحية، فشرحت للمريضة بالتفصيل الإجراءات اللازمة وخطوات العملية الجراحية والمضاعفات المحتملة والاحتياطات المتوجب عليها اتخاذها بعد العملية ومنها الراحة وعدم القيام بأعمال المنزل عدا البسبطة منها لفترة اسبوعين على الأقل، وهنا اعترض زوجها أن مدة أسبوعين مدة طويلة جدا، حيث أن المريضة أم لخمسة أطفال، فأجبته أن من الواجب عليه مساعدتها إذن في الواجبات المنزلية، فصعق الزوج من إجابتي، ثم قال باستهزاء "تبشر، عأساس إنها بتعمل إشي، والله ما بتعمل ولا إشي". أطرقت الزوجة رأسها، ولم تعلق. أخبرت المريضة أن مشكلتها قد تتكرر إذا عاودت الحمل والإنجاب، وقلت بصيغة مازحة أن خمسة اطفال دون شك عدد كاف وأكثر مما تستطيع عائلة تربيته والاعتناء به في هذا الوقت الصعب. اعترض زوجها مرة أخرى وقال أنه يعتقد أن العدد ليس كاف أبدا، وأنه يرغب في الحصول على المزيد من الأبناء، وأن "ربنا برزق"، وأنه ربما يجدر بزوجته تأجيل الخضوع لعملية! الزوجة مرة أخرى اكتفت بالصمت، ولم تعلق! لكن عينيها اللتين بدأتا تغرورقان بالدموع كانتا كافيتين لإيصال وجهة نظرها.
كنت أحاول ترويض غضبي المتصاعد من طريقة إهمال الزوج لكيان زوجته التام، حين سألني عن تكلفة العملية.
أخبرته بالتكلفة التي تختلف من مستشفى لآخر، فلم يعجبه الرقم طبعا، وبدأ ب"مفاصلتي" كأنه يساوم على كيلو فواكه موسمية!
ثم قال لي أن جراحا آخر كان قد وافق على إجراء العملية بنصف المبلغ الذي ذكرته، فاقترحت عليه أن يجري العملية لزوجته لدى ذاك الجراح إذن. طبعا، لم يزد جوابه التالي الطين إلا "طينا"! فقد أخبرني أنه "يتحسس" من فكرة عرض زوجته على طبيب "ذكر"، وأن سبب مجيئه الأساسي إلى عيادتي هو كوني "طبيبة". سألته إن كان قد استفسر عن كفائتي في عملي أو عن شهاداتي أو خبرتي قبل أن يحضر زوجته إلي، فأجاب بالنفي. لم أستطع حينها منع نفسي من الإشارة إلى باب العيادة واتهامه بعدم الاكتراث الكافي بصحة زوجته ولا إعطاء مشاكلها الأهمية التي تستحقها، بل والطلب منه بالخروج والذهاب للاستفسار عن نتائج العمليات التي أجريتها من أطباء زملاء أو مرضى أو أو، ومن ثم مراجعة طبيبات جراحات غيري أكثر خبرة مني وكفاءة أيضا أبديت استعدادي لإعطائه عناوينهن وأرقامهن... تماما كما كان سيفعل قبل استشارة أي طبيب "ذكر" في مشكلة تخصه هو لا زوجته ولو كانت مشكلة بسيطة!
الزوجة المسكينة رفعت رأسها لأول مرة منذ دخولها إلى العيادة، ولاحت ابتسامة رضى على شفتيها، ثم أصرت أنها لن تجري العملية عند أي طبيب أو طبيبة سواي، لكنها رغم ثورتها الصغيرة تلك كانت تعلم تماما أن القرار الأخير هو لزوجها أو "سيدها" المسؤول عنها، والمتكفل بأعبائها المالية ضمن الحدود التي تناسبه، ولو كانت تلك الحدود أدنى كثيرا من حاجتها واستحقاقها الحقيقي!
على الطبيب أن يكون حياديا في تعامله مع مرضاه، وأن لا يسمح لعواطفه أن تأخذه بعيدا، لذا فقد كنت طبيبة سيئة جدا اليوم كما في أيام كثيرة، فأنا لم أكتفي بالغضب على الزوج، بل تملكني شعور بالكراهية نحو زوجته، لا الكراهية لها بالذات، بل لضعفها واستكانتها، وتعاملها مع نفسها ككائن أقل قدرا، لحاجتها واعتمادها المالي عليه، واستسلامها للعبودية التي ورطها بها.
ملاحظة لا تعني القراء: لا زلت أحمل في داخلي رواسب ثقافة تصور الرجل بالمخلص والمنقذ، ولأنك تتنحى جانبا حين أنظر نحوك بعيون مشوبة بتلك النظرة، أغضب. أغضب دون أن أعي أنك تريدني أن أكون مخلصة نفسي الوحيدة، لأني ببساطة قادرة على فعل ذلك، ولأني ككل أنثى هنا بحاجة ماسة لمعرفة ذلك
