ذكرى رحيل الشهيدة آيات الأخرس
تاريخ النشر : 2014-03-30 18:06

كانت حلوة وهادئة...تتصرف بشكل يوحي بأنها أكبر مما هي عليه فعلا...تحب أن تقدّم القهوة لوالدها يوميا ولا تنسى تقديم كوب الماء معها...كانت مجتهدة في المدرسة، محبة لأخواتها الأصغر في البيت...كنت أحب أن أرافقها إلى السوق فلطالما أحببت ذوقها في المشتريات، وطريقة تعاملها مع الباعة...

هذه هي الكلمات التي وصفت فيها والدة الاستشهادية آيات الأخرس ابنتها...تتكلم والدموع لا تفارق عينيها، فيما تحاول جاهدة أن تضغط على يديها في محاولة لتحريك أصابعها...فقد توقّفت أصابع يديها مع توقف عقارب ساعة حياة آيات، وبعد محاولات جادة بدأت تحرك يديها بصعوبة إلا أن أصبعاً واحداً ما زال يرفض الحركة وكأنه يصر على أن يتوقف عن النبض تماماً كما توقّف قلب آيات...

جلست مع الباحثات هي وزوجات أولادها المعتقلين جميعاً، والذين اعتقلوا بسبب استشهاد آيات...تحلقن حولهن فيما رحبّت الأم بالحديث معهن، وكأنها كانت تبحث عمّن يسألها عن مشاعرها دون أن يذكّرها بواجبها الاحتفائي تجاه فقدان ابنتها...من يسمعها تطلق مشاعرها دون أن تضطر إلى تغليفها... عّمن يعطيها الحق في البكاء دون أن يلومها عليه...

تحدّثت عن ألمها...عن صدمتها...عن الفقدان...عن اللوعة...عن حالها بعد غياب الغالية...عن حال أخواتها الصغيرات اللواتي تراجعن لا في الدراسة فحسب بل حتى في استيعابهن لبعضهن البعض وكأن كل واحدة منهن تشعر بأن لا حياة لها بعد غياب آيات...

تحدّثت عن العرس الاحتفالي الذي نظّمه الأقارب والجيران وأهل المخيم احتفاءً باستشهاد آيات...تحّدثت عنه متسائلة إن كان هذا هو العرس الذي كانت تنتظره لإبنتها المخطوبة...وتؤكد بأنه عرساً لم تكن لتحظى به آيات لو كانت على قيد الحياة، ولكنه عرساً لم تستطع هي أن تصمد فيه حيث وقبل أن ينتهي تمّ نقلها إلى المشفى وكذلك الأب والأخوات وخطيب آيات...

تستغرب جرأة آيات...تستغرب إمكانياتها التي لم تشهدها من قبل...كيف وصلت إلى القدس رغم الحصار، وهي التي لم تكن لتصل بيت الجيران لوحدها...كيف تجرأت على فعل ذلك وهي التي لم تجرؤ على ما هو أقل من ذلك...كيف ضحّت بجمالها، بشابها، بخطيبها، بمستقبلها؟؟!!

كل تلك كانت أسئلة تطرحها والدة آيات كما طرحها والدها أيضا دون أن يتمكن أي منهما من إيجاد أجوبة لها...

تغيب مع صورة آيات المعلّقة على الحائط، ثمّ ما تلبث أن تؤكد بأن لديها شعور غريب ينتابها أحياناً...شعور بأن كل ما حدث ليس صحيحاً، وبأن آيات ما زالت على قيد الحياة...وبأنها سترجع...نعم سترجع إلى حضن أمها التي ما زالت تنتظر عودتها وترفض تصديق النبأ...نعم فقد رفضت تصديقه منذ البداية...فكيف تصدّق ما يقال في نشرة إخبارية عن ابنتها...كيف تتوصل بنبأ استشهاد ابنتها عبر التلفاز مثلها مثل كل الناس الآخرين..هل يعقل أن تتوصل بخبر يخص ابنتها عبر التلفاز...تتصرف وكأنها لم تسمع النبأ...تنزل إلى الشارع لتسأل أخوتها عنها وهم الذين لم يسمعوا بالخبر بعد...تطالبهم بأن يذهبوا للبحث عن أختهم التي تأخّرت في المدرسة، فقد كان من المفترض أن تتقدم لإمتحان التربية الدينية وتعود، وقد عادت صديقاتها فيما لم تعد هي...تطالبهم بإصرار أن يبحثوا عن أختهن متجاهلة النبأ الذي سمعته... إلى أن تصلها أصوات الزغاريد وتصل معها "المهنئات"، ويقع الانهيار وتنقل إلى المشفى...

لم تصدّق الخبر في بدايته، ولكنهم أجبروها على تصديقه، فهاهم جميعا يزغردون ويحتفلون، وهي مجبرة على الاحتفال...مجبرة على المشاركة، إذن فالأفضل أن تغادرهم جميعا وتغيب عن هذا الوعي إن كان ثمنه تصديق فقدانها لآيات...

تصمت والدة آيات، وتبدأ بالذكريات...وكأنها ومن خلال الذكريات تحاول جاهدة مرة أخرى أن تصدّق الخبر...تتحدث عن إعجاب آيات بالاستشهادية وفاء إدريس...بلومها لها واتهامها لأمها بالبخل، حيث كانت تتسائل آيات وبطريقة فكاهية عن سبب بخل أمها بتقديم شهيدة في حين لديها من البنات سبعة، وتطالبها بأن لا تكون بخيلة وبأن توافق على تقديم واحدة منهن...

تتذكّر كل ذلك، وتتذكر كيف أنها لم تولي لذلك أهمية، فقد كانت تأخذ حديث آيات على محمل الفكاهة، ولم تتصور أبداً بأن آيات كانت تخطط لهذا اليوم، ولماذا تخطط له؟!

تلوم نفسها على عدم تعاملها مع أحاديث آيات بجدية، وتتسائل لو كانت القطة تدافع عن أطفالها فهل يعقل أن لا أدافع أنا عن آيات... لو علمت بما تخطط له...

تعود بذكرياتها إلى ذلك اليوم، فتتحدث عن الأمسية التي سبقته حيث كان الخطيب وأهله يسهرون معهم، وكلّما هموا بالرحيل تطالبهم آيات بتمديد الزيارة وكأنها تودعهم...وعندما يذكّرونها بامتحانها، تؤكد لهم بأنها قد ذاكرته بشكل جيد وتطالبهم من جديد بالبقاء إلى أن كان الفراق الذي لا بدّ منه...ولم يعد لخطيبها سوى الذكريات فيعود بين فترة وأخرى لزيارة أهلها علّه يواسيهم وعلّهم يواسوه...

في الصباح تطلب من أمّها أن تدعو لها بالتوفيق، وعندما تسألها أمها لماذا الدعاء تؤكد لها بأنها بحاجة لبركات أمها في الامتحان...تذهب للإمتحان فعلاً، وتحصل على علامة كاملة فيه وهو ما أكدّته مدرساتها، وبعد الامتحان تسير نحو الامتحان الآخر، ولا تعود...

ذهبت آيات، وذهبت الراحة معها...فاليوم وفي هذا البيت لا يوجد غير الذكريات...ذكريات الشابة الجميلة المحبة للجميع...وذكريات الشباب الذين ما زالوا في المعتقل...وبقايا أخوات فقدن رغبتهن في الدراسة ...وأمراض استوطنت في أجساد أمها وأبيها...

ذهبت آيات ولم تترك خلفها إلا الحزن واللوعة...لوعة الأسرة على فقدانها...وشعورهم بالضيم وقد عوملوا كأسرة "إرهابية" حيث تمّ تجميد عمل والدها والذي كان يعمل في مؤسسة إسرائيلية منذ ثلاثين عاماً دون إعطاءه أي تعويضات واعتقال جميع أخوتها...وشعور بالظلم لأن عليهم أن يحتفلوا بفراقها...وشعور آخر بالحزن لأن آيات مضت ولم يمض معها الظلم فما زالت رفح تقصف وما زال أهالي جنين يعانون، وما زالت المعتقلات ملأى بالمعتقلين، وما زال الظلم يرفع راياته، وما زالت الإذاعات العربية تغنّي، وما زالت الصحافة العربية على حد تعبير والدها تنقل أخبار الرقص والغناء ولم تأبه حتى لتنقل حياة آيات وأحلامها التي مضت من