جدليّة هي العلاقة بين الرّغبة بتحرّر المرأة العربية ، ووقوعها في فخّ (السوبروومن) ،، أو فخّ المرأة الخارِقة بتعبير أدقّ ، فمن أجل أن تُثبت المرأة العصريّة للعالم أنّ من حقّها أن تتمتع بمساحة خاصّة ، وحقوق انسانيّة ، ورغبتها باثبات ذاتها ، ودافعيتها نحو العمل وتحقيق الطّموح، لم تتحرر من أدوارها الأخرى ، بل بالعكس غرقت أكثر في فخّ الأدوارالتقليديّة ، فما يحدث حقيقةً ، هو أن الأعباء تزداد على كاهل المرأة (السوبر) ، وهامِش التعبير والعمل والطموح ، لم يُعفِها من أعباءها الحريميّة ، ولا حتّى خفّف مِنها ،بل بالعكس زاد عليها الضّغط الاجتماعي والتزامات البيت تقول احدى السّيدات العامِلات : " أنا استيقظ قبل الشّحادة وبِنتها من أجل تنظيم وترتيب أمور حياتي الأسريّة ، بدافِع منّي ، لأني لا أريد أن يشعر أفراد عائلتي بأيّ تقصير يمَسّ جانب من جوانب حياتهم ، ثم أذهب الى وظيفتي ، وأؤدّي مهامي باتقان وتفانٍ عاليين ، باعتراف زملائي ومديري في العمل ، فأنا أشعر أني تحت المِجهردائِما ، وأيّ خطأ سأرتكِبه سيُلاحظ فقط لأن من أرتكبته امرأة ، اشعر أحيانا أن العالم كلّه ينتظِر منّي أن أخطىء" وأنا هنا سأعترِف أن ثمّة واقِع يُفرَض عليّ ، بل علينا كعربيّات ، ولا أريد أن أتستّر عليه وأجمّله ، واقِع مُتخم بالعمل الشّاق للمرأة العربيّة ، كان بالأرض وأصبح في البيت وامتدّ ليكون في العمل ، لكن الفرق أن في العمل هناك أجر تتقاضاه المرأة لقاء شقائها وخيارها في الخروج (على فرض أنّه خيارها) ، لكن كلّ الأعمال الشّاقة الأخرى تقدّمها مجّانا ، وهذا لا ينفي طبعا مآسي شريكي الرّجل في بؤس العمل ، لكن اسمحوا لي ، الاضطّهاد الّذي تتعرّض له المرأة مُضاعف . وبرغم دعوات الكثير من النّسويات بضرورة وحتميّة أن تخرج المرأة اليوم من قفص التقاليد والأدوار النمطية التقليدية ، وتجرّب طعم ولذّة الابداع ، وأن تستخرِج من داخلها القوة التي تُعبّد لها طريق العمل والانتاج ، إلّا أني مصابة بحالة من الرّعب أمام عودة نماذج من النّساء مَهزومات الى البيت ، وأصبحت أفكّر بأن ماذا يمكن عمله حتى لا تجد المرأة نفسها واقِعة في فخّ العمل بعد وقوعها في فخّ البيت ، كيف يمكن أن أحققّ انسانيّتي كامرأة دون أن أخون أمومتي؟ الحل ببساطة لا يمكن أن يتحقّق دون مساعدة (ذكور قبيلتي) واقناعِهم واقناع المجتمع معهم بالتخلّي عن طقوس الهَدر وتقاليد المطبخ المَنسفيّة ، والعَلف الشّرقي الّذي أصبح بصمة عربيّة يضحَك علينا الغرب عندما يتأمل طقوسها ، المرأة العامِلة في حقيقة الأمر خائرة القوى ، مُنهكة ، تلهث وراء مسؤوليّات لامتناهية ، أو تجدها تجمّل واقِعها بالالتفاف عليه فتقدّم جزء من راتبها لطبّاخة تحلّ مَحلها ، وخادِمة (سيريلانكيّة) تقوم بدورها ، أو جليسة أطفال للأولاد عند نِداء الواجِب الاجتماعي ، كل هذا من أجل أن تحتفِظ بماء وجهها أمام المجتمع وتقول أنها امرأة خارِقة، وهي تعرِف أنها أمامه مهما حقّقت ووازنت ، وتحمّلت ، فلا يراها خارج عالم الحريم وأدوار الأمومة ، أنا مرعوبة حقّا من تلك الردة نحو البيت. فالمرأة العصريّة الناجِحة في العمل والمنزل ، هي (سوبروومن) حقّا ، لكن المُجتمع مازال (سوبر متخلّف).
*باحثة وناشطة نسوية من الأردن
