محاولة لتحريك صخرة تجثو على معاناة التاجر والمواطن
تاريخ النشر : 2014-02-16 17:31

نوى "حسناء الرنتيسي" - إشارات واضحة حملها موسم الشتاء الذي أذابت أمطاره الشحيحة جليد المعاناة الاقتصادية التي يعيشها المواطن..التاجر، والحكومة، وحول هذا الموضوع كان لنا جولة في سوق مدينة رام الله تناولنا فيها آراء بعض التجار والمواطنين.

الانعكاسات اخذت تظهر بشكل جلي في البضاعة التي تملأ الاسواق، فرغم ان الموسم شتاء، الا ان بعض المحال بدأت تبيع الملابس الصيفية، والمشكلة كما يقول بعض التجار ان الناس تطلب الملابس الصيفية لغياب أملها بشتاء صاعد.

معظم المحال التجارية سارعت لاعلان عروض الخصم على بضائعها الشتوية، وحاولت تسويق ما عجزت عن تسويقه بسبب الشتاء الجاف.
أسعار هذه البضائع بدأت بأرقام رأى العديد من المواطنين انها خيالية، معتبرين أن انخفاض الاسعار وهمي، فالقطع الثمينة بقيت كذلك، والتنزيلات الحقيقية طالت البضائع رديئة الصنع غالبا.


الأسعار مبالغ فيها

احدى هذه المحال كان عرضها مثلا "اشتر بـ 1000 شيقل، وادفع 500"، ولكن عند حساب الموضوع منطقيا، ترى ان سعر القطعة الواحدة مبالغ فيه.

التقيت الطالبة الجامعية ايمان احمد، في احدى المحال التي تضع اعلانا براقا على ابوابها، اشتر بـ 1000 شيقل وادفع 500 فقط، المواطنة ايمان اخذت تنظر الى قطعة ملابس طبق الاصل عن القطعة التي ترتديها، وسعر هذه القطعة تقريبا 500 شيقل، بينما اشترتها ايمان بداية موسم الشتاء بـ 200 شيقل فقط من محل آخر معروف، وسط مدينة رام الله.

وتساءلت ايمان، من هي الفتاة "المغفلة" التي اشترت هذه القطعة بـ 500 شيقل؟، كما تساءلت، هل حقا لدينا ضائقة اقتصادية ونحن نشتري قطعة الملابس بهذا السعر؟! ولأي طبقة بالمجتمع الفلسطيني يبيع هذا المحل والمحلات الاخرى المماثلة.
صديقة ايمان اخبرتني انها لا تطرق ابواب هذا المحل الا ايام التنزيلات فقط، لارتفاع اسعار بضاعته بشكل لا يتناسب وامكانيات اسرتها.


عشوائية في التسوق

الاسعار العالية ما ان تلتها اسعار معقولة، دفعت المواطنين للانتشار بالسوق لشراء ما يلزم وما لا يلزم، اسراء وكوثر تسيران في شارع ركب ويديهما محملتان بالاكياس، تقول كوثر ضاحكة "اقترحت على صديقتي مرافقتي لشراء حقيبة يد، فخرجنا للسوق معا، واشتريت كل شيء الا حقيبة اليد، اشك اني اشتريت ما لا يلزمني، انما اغراني السعر بعد التنزيلات، وقد يكون هذا السعر مناسب مقارنة بسعره سابقا".

اما الطالبة الجامعية منتهى فتقول انها بالعادة لا تشتري ما يلزمها او أحذية الا في موسم التنزيلات، ثم تحتفظ بها للموسم القادم، تقول ان لديها الكثير من الاحذية للشتاء من الموسم السابق، لكن هناك موديلات جديدة اغرتها، ورغبت في شرائها، وقد كان سعرها بداية الموسم 180 شيقلا، بينما سعرها الان 60 شيقلا، واشتكت منتهى من الفرط في الربح كما تقول من قبل التاجر، والذي سيكون ربح الكثير بمجرد بيع اول عدد قليل من القطع لديه، ثم عمل التنزيلات لينتهي من الكمية المتبقية، وايضا يبيع بربح.

ام علاء خرجت لتشتري معاطف لاحفادها السبعة، تقول ان سعر القطعة هو 15 شيقلا، وانها بألوان زاهية ومبطنة من الداخل، تقول ان زوجها خياط، ولا يقبل بهذا السعر ثمنا "للسحّاب"، ولا تعلم ام علاء ان هذه القطعة صينية الصنع، وهي من النخب سيء الجودة، وقد تتلف بمجرد لبسها لاول او ثاني مرة.

انعدام الثقة بدا واضحا ما بين التاجر والمواطن، فالتاجر متهم، وقد يكون ذلك لأن المواطن العادي يعتقد ان زمام الامور كلها بيد التاجر، ولا يعلم المواطن ان هناك متحكمون كثر في الاسعار بالسوق.

التاجر يقول انه يدفع لدى الجانب الإسرائيلي الذي يخمن البضاعة، ثم يدفع لدى الجانب الفلسطيني الذي لا يكتفي بما يدفعه التاجر لدى الجانب الإسرائيلي، هذا امر من بين عدة امور تساهم برفع السعر، كالأسعار العالية للمحال التجارية وتكاليف النقل والاستيراد وغيرها..


الكل يشتكي

عدد من التجار اجمعوا على ان نسبة الخسارة فاقت الـ 70% هذا الموسم، فعادة ما يكون الموسم والمناسبات فرصة لجني الربح الذي يعوض عن ايام الكساد، إلا أن هذا الموسم بدا اكثر شؤما على التجار الذين قالوا انهم منذ اكثر من 4 سنوات وموسمهم الشتوي "مضروب"، ما يضطرهم لاعلان التنزيلات مع بدايات الموسم لتسويق بضائعهم بأي ربح كان.

التاجر (م. ع) الذي فضل عدم ذكر اسمه، قال انه ينتظر اللحظة المناسبة لبيع محله، فسجل الديون لديه تراكم بشكل فاق امكانية السداد، وقد دفعه ذلك للتفكير بتسريح افضل موظفيه، لكنه يرفض ذلك لاسباب اخلاقية، يقول "ما ذنب هذا الموظف حتى يصبح بلا عمل، فهو رب اسرة وشاركني العمل لأكثر من 9 سنوات، ولا يمكنني التخلي عنه، وعندما اضطر لبيع محلي سأدفع له مستحقاته كاملة، واذا استطعت تأمين عمل له عند احد التجار فلن أتردد، فهو بمثابة ابن لي".

بينما يشير ذات التاجر الى زملاء له "نصبوا" على موظفيهم، وفصلوهم دون دفع مستحقاتهم المادية، او سرحوا عمالهم بسبب اوضاعهم السيئة، ومخاسرهم الكبيرة التي هي في تزايد، وقال ان هناك محال لا تعرف عنوانا ثابتا لها، فمرة تجده فتح مطعم، ومرة محل ملابس، ومرة محل احذية، وذلك في محاولة من ذلك التاجر لتحسين وضعه دون جدوى.

وضع التاجر امجد نيروخ لم يكن أفضل من غيره، وقال إن نسبة الخسارة لديه تصل إلى ما يفوق الـ 80%، ليس فقط بسبب الظروف البيئية لكن أيضا بسبب قلة الرواتب والغلاء الفاحش في الأسعار، كل شيء يرتفع سعره وهذا ينطبق على سعر القطن والمواد الخام، وبالتالي ارتفع سعر الملابس أيضا لكن بما لا يساوي الارتفاع في سعر المواد الخام، وذلك مراعاة لوضع المواطنين الاقتصادي، وحفاظا على إقبالهم على الشراء حسب قول التاجر.

تاجر آخر في محل عبود سنتر نفى أن يكون هناك تاجرا خاسرا، وذلك بسبب إتباع التجار سياسة تعويض الخسارة بموسم آخر أو ببضاعة من نوع آخر، ولكل محل سياسته، أما أن الأرباح قلت أو انعدمت فهذا ما لا يمكن نفيه.


الضرائب عالية.. والرقابة معدومة

مواطنون انتقدوا غياب الرقابة عن الاسواق، التاجر في محل عبود سنتر ايضا اشار الى نفس النقطة وقال ان الرقابة على جودة البضاعة وعلى الأسعار معدومة تماما، يقول منذ ان افتتحت محلي لم يحضر اي احد وينظر الى البيانات المكتوبة على الملابس، لم يسألني احد عن السعر، الكلمة التي يعرفونها هي فقط “ادفع”، دون خدمات في المقابل، وبأسلوب همجي، المحال تزدحم في السوق وفيها نفس البضاعة، والمضاربة في الأسعار عالية، والرخص توزع بشكل عشوائي، لا تخطيط…لا رقابة…لا حماية للمستهلك والتاجر أيضا.

وبقيت الضرائيب الكابوس الذي يطبق على اعناق التجار ويمنعهم من تخفيض الاسعار بما يناسب متوسط دخل المواطن، التاجر من محل عبود سنتر قال ان أي مخالفة صغيرة من التاجر يهاجمه الكل ويعامل وكأنه فريسة وقعت بأيديهم، مخالفة صغيرة تليها عقوبة كبيرة تبدأ باهانة التاجر، "وعندما يصل الأمر إلى حقنا من العائد الضريبي يظهر عدم الالتزام من قبل دائرة الضرائب، وبأحسن الحالات يخفضوا مما علينا بنسبة %40 كأقصى".


مصانع اغلقت

احد الخياطين كان يجلس بجانب احد التجار، اقحم نفسه في الحوار ليعبر عن مأساته، يقول ان هناك اكثر من 17 خياطة وخياط خسروا عملهم بسبب اغلاقه لمخيطته، وقال ان هذا المشروع كلفه خسارة دفعته لاغلاقة وهو لم يدفع رواتب الموظفين لشهرين تقريبا، وذلك بسبب التكاليف العالية لايجار المحل، وعدم دفع التاجر ثمن البضاعه له، والتي تزيد عن 35 الف شيقل، وبالتالي بات محرجا امام العمال، وحتى الآن لم يستطع تسديد التزاماته تجاههم.

وقال انه ليس الوحيد الذي مر بهذه التجربة، فمعظم من يملك مصنعا أغلقه وفضل استيراد البضاعة الرخيصة التي تناسب دخل المواطن، رغم رداءة جودتها في الغالب.

الحكومة من جهتها تعيش في معادلة معقدة، فهي من جهة تسعى لرفع التحصيل الضريبي لزيادة ايراداتها، ومن جهة اخرى تعد بخفض الضرائب لتشجيع الاستثمار، ومن جهة ثالثة تلهث وراء المساعدات الدولية وتعمل بنفس الوقت على التحرر من هيمنتها، حالة التعقيد هذه تلقي بظلالها على المواطن في نهاية المطاف، والذي يقع تحت تصنيفه التاجر والموظف.

ما يزيد الطين بلة، ان السيناريو الاسوأ هو السيناريو المتوقع من قبل الاقتصاديين للوضع الاقتصادي الفلسطيني، وخاصة في ظل عدم الوصول الى حل سياسي نهائي، وبالتالي "الأمل بوجه الله" كما يقول الحاج ابو علاء

*القدس الاقتصادي