شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 13 فبراير 2026م23:51 بتوقيت القدس

الضفة: "أونروا" بلا موارد.. "لاجئون" بلا خيارات!

04 فبراير 2026 - 14:17

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

حين تفتح الأزقة الضيقة في مخيمات اللاجئين عيونها على يوم جديد، لا يبدو اللجوء ذكرى بعيدة عن عام 1948م، بل واقعًا متجددًا يتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة: باب مدرسة موصد، عيادة تفتقر للدواء، وسلة غذائية باتت أقل مما كانت عليه.

هنا، في الضفة الغربية، لم يعد اسم "الأونروا" مرادفًا للإغاثة بقدر ما أصبح شاهدًا صامتًا على إنهاك اللاجئ، وعلى تآكل حقه في الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

في المخيمات المكتظة، حيث يعتمد عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين اعتمادًا مباشرًا على خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، تحوّلت سياسات "التقليص" من مصطلح إداري عابر في تقارير التمويل الدولية، إلى أزمة وجودية تضرب التعليم والصحة والأمن الغذائي في آن واحد.

ومع كل خصم جديد، تتعزز المخاوف من أن هذا الإنهاك المتعمّد ليس سوى تمهيد لتصفية قضية اللاجئين نفسها، لا عبر إلغائها دفعة واحدة، بل عبر إنهاك أصحابها حتى الاعتياد على الحرمان.

لم تكن هذه التقليصات وليدة لحظة طارئة، بل جاءت نتيجة أزمة مالية مزمنة بدأت تتصاعد بشكل حاد منذ عام 2018م، حين أوقفت الولايات المتحدة مساهمتها المالية بالكامل، ما خلق عجزًا تاريخيًا وضع الوكالة على حافة الانهيار.

ورغم عودة بعض التمويل لاحقًا، دخلت "الأونروا" في نفق العجز المزمن، الذي بلغ مع مطلع عام 2026م نحو 200 مليون دولار.

ميدانيًا، تُرجِم هذا العجز إلى سياسات "النمو الصفري" في التوظيف، وخصومات الرواتب، وتقليص السلال الغذائية، لتصبح هذه السنوات من أخطر المراحل التي عاشها اللاجئون الفلسطينيون منذ عقود.

من مخيم الفوار، تروي تحرير جنازرة كيف تحوّلت الحياة اليومية إلى سباق مفتوح مع الحرمان. تقول: "إن الفصول الدراسية باتت تضيق بطلبتها، والعيادات الطبية لم تعد قادرة على توفير أبسط الأدوية الأساسية".

وتتحدث بنبرة مثقلة بالقلق عن ضغط يتسلل إلى كل بيت، موضحة أن الأعباء المعيشية تضاعفت في ظل تراجع الخدمات، وأن الخصومات التي طالت رواتب الموظفين بنسبة عشرين في المئة كانت بمثابة ضربة قاسية لعائلات تعتمد على دخل واحد. "أهل المخيم وأطفاله يستحقون الحياة، لا هذا الشكل من الحرمان"، تقولها بمرارة من تعرف أن البدائل معدومة.

هذا الواقع يؤكده أحمد عواد، رئيس اللجنة الشعبية في مخيم الفوار، الذي يصف تعاطي الوكالة مع مطالب السكان بشعار "لا نسمع ولا نرى".

ويوضح أن التقليصات أصابت مفاصل الحياة كافة، من النظافة إلى التعليم والصحة، مؤكدًا أن اللجان الشعبية لا يمكنها أن تكون بديلًا عن الأونروا، وفي الوقت ذاته لا يجوز ترك المخيمات لمصيرها.

"ما يجري يتجاوز حدود الأزمة المالية العابرة، ليصل إلى ما يشبه خطة دولية مبرمجة لإنهاء دور الوكالة".

ويرى عواد أن ما يجري يتجاوز حدود الأزمة المالية العابرة، ليصل إلى ما يشبه خطة دولية مبرمجة لإنهاء دور الوكالة، واصفًا المستقبل بأنه قاتم في ظل هذا المسار المتصاعد.

في مخيم العروب، لا تختلف الصورة كثيرًا. يتحدث أمجد الطيطي عن تقليصات بدأت قبل سبع سنوات، لكنها اليوم بلغت مرحلة خانقة في ظل ارتفاع معدلات البطالة.

ويشير إلى النقص الحاد في الأدوية، خاصة تلك المخصصة للأمراض المزمنة، وإلى تقليص أيام دوام العيادات إلى أربعة أيام بدلًا من خمسة.

أما في التعليم، فقد انعكس التقليص على ساعات الدوام وأيامه، لتصبح المدارس غير مسؤولة عن الطلبة قبل أو بعد أوقات محددة، ما يترك الأطفال عرضة للمخاطر أثناء انتظارهم أمام البوابات. شهادات من مخيمين مختلفين، لكنها تلتقي عند واقع واحد من التدهور وتفاقم الأعباء.

أمام هذا المشهد، أعلن موظفو "أونروا" في الأقاليم الخمسة نيتهم الدخول في إضراب مفتوح ابتداءً من الثامن من الشهر الجاري، في حال صرفت قسائم الرواتب مرفقة بالخصومات، وهو ما يعني عمليًا إغلاق مدارس الوكالة وحرمان آلاف الطلبة من حقهم في التعليم، لتدخل المخيمات مرحلة جديدة من الشلل القسري.

وفي قراءة أعمق للمشهد، يرى الدكتور المهندس عبد الفتاح النجار، رئيس جمعية شؤون التعليم الخيرية في مخيم الفوار والمتحدث باسم مجالس أولياء الأمور، أن الخطر بات حقيقيًا وجديًا.

"هذا النهج يخدم مشروع تصفية قضية اللاجئين عبر إنهاكهم اقتصاديًا واجتماعيًا، ودفعهم للقبول بواقع مفروض".

ويؤكد أن المسار الحالي لا يستهدف إلغاء الأونروا دفعة واحدة، بل تفريغها من مضمونها الوظيفي والمعنوي، وصولًا إلى إضعافها تدريجيًا.

ويحذر من أن هذا النهج يخدم مشروع تصفية قضية اللاجئين عبر إنهاكهم اقتصاديًا واجتماعيًا، ودفعهم للقبول بواقع مفروض.

ويقترح النجار مسارات واضحة للمواجهة، تبدأ بتعزيز الشفافية داخل الوكالة، وتوسيع دائرة الضغط الدولي، وتدويل القضية سياسيًا، ولا تنتهي عند الحراك الشعبي المنظم.

"يمكن لإرادة دولية حقيقية وحراك شعبي ضاغط أن يعيدا للوكالة دورها بوصفها ركيزة للاستقرار وشاهدًا سياسيًا على قضية اللجوء".

ويرى أن استمرار السياسات الحالية سيقود إلى تآكل تدريجي في خدمات الأونروا، بينما يمكن لإرادة دولية حقيقية وحراك شعبي ضاغط أن يعيدا للوكالة دورها بوصفها ركيزة للاستقرار وشاهدًا سياسيًا على قضية اللجوء، إلى حين تحقيق حق العودة.

اليوم، تقف مخيمات اللاجئين عند مفترق طرق حاسم: إما أن تستعيد الأونروا دورها كشاهد سياسي على حق لا يسقط بالتقادم، أو يستمر هذا التآكل البطيء الذي يهدد كرامة الإنسان قبل خدماته.

وبين الخيارين، يبقى وعي اللاجئ وتمسكه بحقوقه، كما يؤكد النجار، خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات تحويل قضية لجوئه من ملف سياسي مقدس إلى أرقام باردة في ميزانيات التقشف الدولية.

كاريكاتـــــير