شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 13 فبراير 2026م23:49 بتوقيت القدس

عنوانها "البيت الآمن" وتقودها نقابة المهندسين..

مبادرةٌ لتقييم التصدُّعات.. محاولة لانتزاع الطمأنينة من تحت الركام

04 فبراير 2026 - 12:48

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في بيته بحيّ الزيتون شرقي مدينة غزة، يجافي النوم أحمد دياب الذي يقضي ليله مراقبًا التشققات في الجدران من حوله.  لا يملك الرجل ترف الخوف، ولا خيار المغادرة؛ "فالسقف المتصدّع، مهما بدا هشًّا، يظلّ أقل قسوة من المبيت في العراء، أو تحت ظل خيمة" يقول.

في أحياء غزة التي لم تلتقط أنفاسها بعد الحرب، تقف آلاف المباني المتهاوية جراء الهجمات الإسرائيلية المتتالية كقنابل صامتة، تهدد حياة من احتموا بها اضطرارًا، في ظل انعدام الخيارات.

وبين الحاجة المُلحّة إلى المأوى، والخوف الدائم من الانهيار، برزت مبادرة "البيت الآمن" كمحاولة مهنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووضع حدّ للمجازفة بأرواح السكان داخل منازل فقدت جزءًا كبيرًا من أمانها الإنشائي.

وكغريقٍ يتعلّق بقشّة، يرى دياب في فحص البيوت المتضرّرة خطوةً أولى قد تُنقذ الأرواح، "لكنها لا تكتمل ما لم تتحوّل إلى حلول تُخرج العائلات من دائرة الخطر الدائم" يستدرك.

وعلى بُعد مسافةٍ تُقاس بحجم المعاناة من بيته، عادت هدى عبد الغفور إلى شقتها غربي مدينة غزة، بعد أشهرٍ طويلة من النزوح، تحمل معها تعب الحرب وثقل الانتظار. البيت الذي استقبلها كان متهالكًا، لكنه كان كل ما تبقّى لها من شعور بالاستقرار.

وبين بيتٍ يتشقق في الزيتون، وشقةٍ منهكة غربي المدينة، تتقاطع حكايتان تختصران وجع غزة كلّه: حاجة قسرية إلى المأوى، وأمنٌ غائب لا يُطلب أكثر من أن يكون كافيًا للحياة.

من هنا، انطلقت المبادرة التي تقودها نقابة المهندسين الفلسطينيين، كاستجابة مباشرة لواقع ميداني بالغ الخطورة، إذ عاد المواطنون إلى بيوت متضررة جزئيًا في ظل غياب البدائل السكنية، دون معرفة حقيقية بمدى سلامتها.

فرقٌ هندسية متخصصة شرعت بإجراء فحوصات ميدانية دقيقة، تستند إلى معايير فنية واضحة، لتحديد مستوى الخطورة في كل مبنى.

ويبين رئيس نقابة المهندسين في مدينة غزة، شادي أبو زنادة، أن مبادرة "البيت الآمن" تهدف إلى "سد فجوة خطيرة بين حاجة الناس للسكن وحقهم في الحياة الآمنة"، موضحًا أن الحرب خلّفت أضرارًا إنشائية عميقة في كثير من المباني، بعضها لا يظهر للعين المجردة، لكنه يشكّل تهديدًا مباشرًا مع أي منخفض جوي أو اهتزاز مفاجئ.

ويضيف أبو زنادة في حديثه لـ"نوى": "فرق المهندسين تقوم بفحص الأعمدة والأسقف والجسور والأساسات، وتصدر توصيات فنية واضحة، تتراوح بين السماح بالسكن المؤقت، أو ضرورة الترميم، أو الإخلاء الفوري في الحالات الخطرة"، مؤكدًا أن العمل يتم بإمكانات محدودة وجهود ذاتية، في ظل غياب الدعم اللوجستي والمعدات الثقيلة.

"المبادرة فرضتها المخاطر اليومية التي باتت تهدد السكان، خاصة بعد أن كشفت الأمطار والمنخفضات الجوية هشاشة عدد كبير من المباني المتضررة".

ويلفت إلى أن المبادرة فرضتها المخاطر اليومية التي باتت تهدد السكان، خاصة بعد أن كشفت الأمطار والمنخفضات الجوية هشاشة عدد كبير من المباني المتضررة، مشيرًا إلى أن اللجان الميدانية تضم خبراء واستشاريين يعملون على تقييم المخاطر ورفع توصياتهم إلى الجهات المختصة، مثل وزارة الإسكان والدفاع المدني والبلديات.

ويقر أبو زنادة بوجود تحديات كبيرة بعد انتهاء عملية التقييم، أبرزها عدم توفر الآليات اللازمة لإزالة الأجزاء الخطرة، والنقص الحاد في مواد التدعيم والبناء، ما يحدّ من القدرة على تنفيذ التوصيات بشكل كامل، ويجعل كثيرًا من القرارات رهينة الإمكانيات المتاحة.

وتأتي هذه الجهود بعد تسجيل حوادث انهيار متكررة لمبانٍ متضررة، أسفرت عن استشهاد أكثر من 22 مواطنًا خلال الأشهر الماضية، معظمهم كانوا يقيمون في منازل ظنّوا أنها ما زالت صالحة للسكن.

وفي واقعٍ تغيب فيه البدائل السكنية، وتتصاعد فيه المخاطر مع كل منخفض جوي أو اهتزاز، يصبح فحص سلامة المباني المتصدعة ضرورة إنسانية قبل أن يكون إجراءً هندسيًا، لما له من دور في تقليل الخسائر البشرية، ومنع تكرار حوادث الانهيار، وتعزيز ثقافة السلامة العامة في بيئة تُجبر الناس على العيش داخل بيوت فقدت الكثير من مقومات الأمان.

وتكمن أهمية فكرة "البيت الآمن" في كونها محاولة لرسم خط دفاع عن أرواح السكان، في مرحلة تتقاطع فيها الحاجة القسرية للمأوى مع خطر الموت تحت الأنقاض، إذ تسهم المبادرة في تحويل الخوف المجهول إلى معرفة فنية واضحة، وتمنح العائلات حدًا أدنى من الطمأنينة، قائمًا على تقييم علمي لا على التخمين.

كاريكاتـــــير