شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 14 فبراير 2026م00:07 بتوقيت القدس

دفء العائلة وتعاونها في سكنٍ مشترك

في محطة "فلسطينيات" صحفيّاتٌ يتقاسمن اللقمة والأُنس والمشورة

04 فبراير 2026 - 11:13

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن السكن المشترك، بعيدًا عن الأهل، لمجموعةٍ من الصحافيات خيارًا سهلًا، بل ضرورةً فرضتها ظروفُ حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023م.

داخل محطة عملٍ، أقامتها مؤسسة فلسطينيات في دير البلح وسط قطاع غزة، تعيش ثماني صحافيات يعملن مع جهات مختلفة، ويمارسن عملهن الإعلامي من المكان ذاته. يتقاسمن معاً مساحةً للعيش والتعايش مع ظروف عملٍ ميداني قاسٍ وحياة أقسى. وبهذا، أصبحت المحطة مساحةً للأمان والاحتضان، في واقعٍ لا يمكن وصف صعوبته بالكلمات.

نيللي المصري، صحافيةٌ متخصصةٌ في الشأن الرياضي، تعيش مع زميلاتها في المحطة، فبعد قصف قوات الاحتلال بيتها في مدينة غزة، وبسبب سفر والدتها إلى مصر لتلّقي العلاج، انضمت لرفيقاتها في المحطة، فنسجنَّ بالودَّ والتعاون عائلةً واحدة، إلى أن يلتئم الشمل مع أمها.

ترى نيللي في العيش المشترك نقلةً نوعية في حياتها، حيث حظيت بقدرٍ كبيرٍ من الاستقرار، وتطورت شخصيتها في مسألة الاعتماد على النفس؛ بخوضها مَهامَّ لم تُجرّبها من قبل، وفق حديثها.

"لم يكن من الوارد عندي تعبئة المياه، أما الآن لا أتردد في التعاون مع زميلاتي عند تركيب الخراطيم بالموتور ورفع المياه إلى الخزان. بكل فخرٍ أشعر أنني بِتُ أكثر قوّة".

وفي هذا السياق، تضحك نيللي بعفوية وهي تُسرّ لـ"شبكة نوى" بعلاقتها السيئة بالطبخ، لكنها تستدرك وهي تشير إلى صالون المنزل، قائلةً: "في المقابل، لدي مهارةٌ فائقة في ترتيب البيت، وأتمتع بدقةٍ عالية في الانتباه للتفاصيل، بوضعٍ كل شيءٍ في مكانه الصحيح، أما مهمة الطبخ فقد تركتها لزميلتي أحلام، التي لا تستغني عن خدماتي أحيانًا"، تواصل حديثها بمرح.

ومن محاسن هذه التجربة، حسب رأيها، أن العيش المستقل جعلها أجرأ في أداء مهامٍ لم تعتدها من قبل، تشرح لنا: "على سبيل المثال، لم يكن من الوارد عندي أن أقوم بتعبئة المياه، أما الآن لا أتردد في التعاون مع زميلاتي عند تركيب الخراطيم بالموتور ورفع المياه إلى الخزان، بكل فخرٍ أشعر أنني بِتُ أكثر قوّة".

صاروا جزءاً من حياتي

تفتح الصحافية دعاء الحرازين قلبها، حين تتحدث لـ"نوى" عن تجربةٍ إنسانية تصفها بـ"القاسية والمليئة بالتحديات"، وتصارحنا بقولها: "في البداية، أخذت العلاقة بيننا منحى الحذر، فكلُ واحدة منّا قادمةٌ من بيئة تختلف عن الأخرى، لكن سرعان ما تفهّمنا اختلافات بعضنا، وأصبحنا عائلةً واحدة".

دعاء أيضًا فقدت بيتها في حرب غزة، ووجدت في محطة فلسطينيات، كما تقول، مساحةً للاحتضان، فجميع زميلاتها نازحاتٌ وفاقداتٌ لبيوتهن أو حتى أقاربهن.

أسألها عن عمقِ العلاقة بعد مضي وقتٍ لا بأس به من "العيش والملح"، تجيبني: "نشعر بالمسؤولية تجاه أنفسنا وبعضنا البعض. نتشاور في الأفكار التي تخص عملنا الصحفي، ونتقاسم مهام الشقة التي نعيش فيها"، ثم تتسع ضحكتها مضيفة: "لا نستغني عن بعضنا أبداً، "لدرجة لما بيكون عندي شغل وأضطر للمبيت برّة بدوشهم اتصالات.. بشتاقلهم (...)"، لقد صاروا جزءاً من حياتي".

أمارس دور الأم

الصحافية أحلام حماد، هي الأكبر عمرًا، وكانت الأجدر بدور الأم في المكان، كونها أماً لستة أبناء: أربعةٌ يدرسون في الخارج وابنتان تعيشان معها في المحطة.

 تتحدث بنكهة حب لا تخلو من روح الدعابة: "بمارس دور الأم عليهم لدرجة بعطيهم تعليمات زي ما كنت أعطي أولادي".

ينخفض صوتها بينما تشير إلى الشابات قائلةً: "فرق العمر بيني وبين بعضٍ منهن يصل إلى عشرين عامًا، لقد ساعدتني الأمومة على اختيار أسلوبٍ مناسب للتعامل معهن. كنت قلقةً ألا يستوعبوا طريقتي، لكن الأمور سارت بسلاسة، والحمد لله".

تتولى أحلام مهمة الطهي "للطبخة" التي يتوافق عليها الجميع، بحيث يتقاسمن التكلفة، وتُوزّع عليهن المهام، فهذه تقطّع البصل، وتلك تُعدّ السلطة، بينما تشرف "أمّ الكل" على كل التفاصيل.

 تقول: "لا أخفيكِ؛ أنا سعيدةٌ بهذا الدور. شعرتُ أنني استعدتُ ذاتي باعتباري صحفيةً وأماً، علاوةً على ذلك، سفر أبنائي للخارج ووجود زوجي بعيدًا عني؛ كونه صحفياً، حرمني الأجواء العائلية مدّة طويلة، كنت أحتاج حقاً هذا الدفء".

وجودهن سلوةٌ للقلب

تعيش إخلاص القريناوي بعيدًا عن عائلتها التي نزحت من منزلها المدمر شرق مخيم البريج، وقد انفصلت عنهم بسبب خوف محيطهم من عملها، كونها صحافية في وقت كان الصحافيون مستهدفين، ومع استشهاد معظم أفراد عائلتها أصبحت معيلةً وحيدة لشقيقتيها.

تستلقي على فراشها ودون تكلفٍ تحدّثنا: "منذ بداية الحرب عشتُ مشردةً، نمتُ في أروقة المستشفيات وتحت الشجر وفي خيامٍ يتسلل المطر من ثقوبها، حين انتقلت إلى هنا خفتُ في البداية، أنا أصغرهن سنًا ولا أعرفهن مسبقًا، وعملي مختلف عنهن. أعمل مصورةً وهن محررات ومراسلات، ومع الوقت توطدّت علاقتنا وأصبحنا أسرة جميلة".

"أصبحتُ أكثر مرحًا، نسهر ونضحك من الأعماق على مواقف حدثت معنا. نلعب "من دون كلام"، و"أونو"، وشَدّة "كوتشينة"، التي تساعدنا على التركيز والتسلية".

تجد إخلاص في زميلاتها سلوةً لحزنها وعوضًا عن الفقد الذي عاشته، يطمئنّون عليها كلما تأخرت، ولا يتركونها وقت الشِدّة، تتجاذب معهن أطراف الحديث الخاص والعام، وتدور نقاشات حول العمل.

وعن وجه التغيير في شخصيتها بعد هذه التجربة، تفيد: "أصبحتُ أكثر مرحًا، نسهر ونضحك من الأعماق على مواقف حدثت معنا. نلعب "من دون كلام"، و"أونو"، وشَدّة "كوتشينة"، التي تساعدنا على التركيز والتسلية".

ومن المواقف التي لا تُنسى في نظرها، حين غسلت مع زميلتها السجادة، ثم تعاونتا في حملها ورفعها على السور، حيث لم تعد المغاسل موجودةً كما في السابق، تعقّب: "بكل سرور؛ الآن أنا أكثرُ قوةً واعتماداً على نفسي".

ليالي الأنس مع "كيكة البرتقال"

لطالما تاقت الصحافية شروق شاهين، قبل اندلاع الحرب، لتجربة "العيش المستقل"، كي تعتمد على نفسها في شؤونٍ كانت من مسؤوليات العائلة، استعدادًا لأي فرصة سفر خارج غزة. وتردف حديثها بابتسامة: "أردتها في ظروفٍ طبيعية، وأرادَ الله لي خوضها في وقت عصيب".

كل ما يتعلق بالبيت من ترتيب، ومتابعة الكهرباء، والموتور وغيرها، كانت شروق بعيدةً عنها، لكن الحال تغيّر بعد السكن في المحطة.

وتقرّ أنه "في البداية كان من الصعب تقبّل الفجوات الواسعة بيننا، ومع الوقت تآلفنا وتفهمّنا طباعَ بعضنا".

تتقاسم شروق مع زميلتين غرفة "دسك التحرير"، فهي مكان العمل نهارًا وتتحول للنوم ليلًا بوضع الفِراش بين المكاتب، وهذا، حسب كلامها، أفضل المتاح حاليًا في قطاع غزة المدمّر.

تروي لنا موقفاً مضحكاً: "جربت ذات مرة تحضير "كيكة البرتقال" التي عادةً ما أتقنها، لكن معظم المكونات لم تتوفر، بسبب شحّ المواد، وحتى طهيها بواسطة الغاز بدلاً من الفرن أثرَّ على نضجها. كنت أضحك وأنا أقطّعها فقد خرجت مختلفة تمامًا عن "الكيكة" التي أعرفها، والخبر السارّ أنها حازت على إعجاب زميلاتي، وتناولناها مساءً إلى جانب القهوة".

وتُروّح الزميلات في "محطة فلسطينيات" عن أنفسهن بأحاديث السمر، للتخلص من أعباء يوم عملٍ ثقيل. تقول شروق: "نسهر كل ليلة، ثم نعود إلى غرفنا، وقبل أن نخلد، نحن الثلاثة، إلى النوم نُكمل أحاديثنا الممتعة. بالمختصر؛ هذه التجربة أهلّتني للسفر خارج القطاع يوماً ما".

كاريكاتـــــير