غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أكوام من الرمال المتراكمة، وحُفر عميقة تمتد عشرة أمتار طولًا وعرضًا، ورفات امتزجت بالتراب حتى فقدت ملامحها، وركام فوق ركام، هكذا بدت مقبرة البطش في حي التفاح شرقي مدينة غزة، بعد أن حولتها آليات الاحتلال الإسرائيلي إلى أرضٍ قاحلة، لا شاهد فيها يدل على قبر، ولا علامة تُشير إلى اسم.
على مدار ثلاثة أيام متواصلة، كانت المقبرة مسرحًا لجريمة مكتملة الأركان، نفّذها الاحتلال تحت أنظار العالم، حين أقدم على تجريف القبور ونبشها وتدميرها، بذريعة البحث عن جثة الأسير الإسرائيلي "رآن غويلي"، في واحدة من أبشع الانتهاكات التي طالت حتى الموتى.

حين بلغه خبر التجريف، شعر أحمد محيسن أن الفاجعة ضربت قلبه من جديد. قال بصوت مكسور: "الأمر بدا لي وكأن ابنتيَّ أية وسما استشهدتا مرة أخرى"، واصفًا ذلك اليوم بأنه الأصعب في حياته.
لم تكن الأيام تمر عليه، بل كان يعدّ لحظات التجريف بالثواني، وكل ثانية كانت تخنقه أكثر، وكأنه في صراع مفتوح مع الموت نفسه.
في زمن الحرب الأولى، لم يكن هناك متسعٌ للبحث عن مقبرة آمنة. تحت زخات الرصاص والقصف، كان أقصى ما يتمناه أهالي الشهداء أن يواروا أبناءهم الثرى، حفاظًا على كرامتهم وصورهم الأخيرة. لكن الاحتلال لم يترك لهم حتى هذا الحق، فامتدت يداه إلى القبور، وانتهكت حرمة الموتى.
يروي محيسن أن أية وسما استشهدتا إثر قصف منزلهما في الأيام الأولى من الحرب، وأن المقابر الشرقية لم تكن آمنة آنذاك، فاضطر لدفنهما في مقبرة البطش، دون أن يعلم أنها ستتحول لاحقًا إلى مسرح لإحدى أكبر الجرائم الإسرائيلية.
لم تكن المقبرة أصلًا مخصصة للدفن، بل أرضًا زراعية تعود لعائلة البطش، غير أن الحرب دفعت الأهالي لتحويلها إلى مثوى لعشرات الشهداء، المعروفين والمجهولين.
حتى زيارة القبور في غزة لا تتم إلا بشروط الاحتلال. يخبرنا محيسن أنه لم يتمكن من زيارة قبر ابنتيه إلا بعد عام وثلاثة أشهر، بسبب نزوحه إلى جنوبي القطاع، ولم تتح له الفرصة إلا خلال الهدنة الأولى، قبل أن يُحرم من الزيارة مجددًا بسبب خطورة المكان.
في غزة، القبر والشاهد هما المزار الأخير لأهالي الشهداء، المساحة الوحيدة التي يلجأون إليها حين يشتد الحنين. كان قبر ابنتيه ملاذه الوحيد، يزورهما، يحدثهما، يقرأ الفاتحة ويدعو لهما، وكأن بينه وبين التراب حياة لم تنقطع.
كان محيسن يزور قبر ابنتيه كلما اشتد به الحنين. يزورهما، ويحدثهما، يدعو لهما ويقرأ الفاتحة، وكأن بينه وبين التراب حياة لم تنقطع.
عقب سماعه بانسحاب آليات الاحتلال من محيط المقبرة، توضأ وجهز نفسه للذهاب، متمسكًا بأمل ضعيف في أن تكون يد التجريف قد أخطأت قبر ابنتيه، لكن المشهد كان متوقعًا؛ فآليات الاحتلال أطلقت النار والقذائف تجاه كل من حاول الاقتراب، باعتبار المنطقة خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
في العالم، يزور الناس قبور أحبائهم بحرية، أما في غزة فزيارة قبر ابنتين دفنهما والدهما في ريعان العمر، تحولت إلى حلم مستحيل.
يتابع محيسن باكيًا: "مطلبي الوحيد هو أن يعرف مصير قبر ابنتي. حتى اللحظة لا أعرفُ إن بقي لهما قبرٌ أصلًا".
كانت القبور تمنح البهتيني إحساسًا بالحضور، وتشدّه إليهم أكثر، لكن الاحتلال لم يكتفِ بقتلهم مرة، بل قتله هو مرة أخرى حين جرف المقبرة بالكامل.
وجع آخر يعيشه الشاب عزيز البهتيني، الذي دَفَن في مقبرة البطش معظم عائلته. والداه، شقيقه محمود، شقيقته الصغرى هاجر، إلى جانب عدد كبير من أقاربه، بعضهم استشهد خلال الإبادة.
يقول لـ"نوى": "تلك المقبرة لم تكن مجرد مكان دفن، بل اختصارًا لحياتي كلها".
لما ضاقت به الدنيا، كان يلوذ بالفرار إلى قبورهم، يقرأ القرآن، يدعو لهم، ويشعر بأنهم لا يزالون قريبين. كانت القبور تمنحه إحساسًا بالحضور، وتشدّه إليهم أكثر، لكن الاحتلال لم يكتفِ بقتلهم مرة، بل قتله هو مرة أخرى حين جرف المقبرة بالكامل.
حين شاهد الصور التي بثها الإعلام العبري للمكان، لم يستطع استيعاب المشهد.. دُمر آخر ما كان يربطه بأحبته، ولم يعد يعرف مصير قبورهم.
حاوَل الوصول إلى المكان، كما فعل غيره من أهالي الشهداء، لكن الوضع الأمني حال دون ذلك، وهنا يوجّه عزيز رسالته إلى العالم، مطالبًا بوقف جرائم الاحتلال بحق الأحياء والموتى معًا.
شاهد العيان رمضان أبو سكران، حاول الوصول إلى المقبرة أكثر من مرة، لكن الاحتلال كان يستهدفه بشكل مباشر.
يروي أن المقبرة تحولت إلى ساحة واسعة من الرمال، جُرفت بالكامل، وجُمعت القبور فوق تلال رملية، ما أدى إلى اختلاط رفات الشهداء وظهور معظمها فوق سطح الأرض.
في محاولته الأولى، قُصف أربعة شبان أمام عينيه واستُشهدوا على الفور، ما حال دون وصوله. وفي المحاولة الثانية، مستغلًا سقوط الأمطار وغياب إحدى الدوريات، أطلق الجنود النار والقذائف بكثافة لإجبارهم على التراجع.
المكتب الإعلامي الحكومي: "الاحتلال نبش أكثر من (250) قبرًا داخل مقبرة البطش، وألحق دمارًا واسعًا ببنيتها التحتية".
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن الاحتلال نبش أكثر من (250) قبرًا داخل مقبرة البطش، وألحق دمارًا واسعًا ببنيتها التحتية.
وأكد مدير عام المكتب إسماعيل الثوابتة أن الاحتلال دمر خمسين مقبرة من أصل ستين في قطاع غزة، وسرق أكثر من (2450) جثمانًا من مختلف المقابر، في جريمة مركبة تنتهك حرمة الموتى والقيم الدينية والإنسانية.























