شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 13 فبراير 2026م23:50 بتوقيت القدس

أسباب كثيرة تُمهد لانتشارها عند الأطفال

الحُمّى الشوكية "خَتْم المجاعة" التي عاشتها غزة

03 فبراير 2026 - 15:41

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل غرفةٍ صغيرة في قسم الأطفال، في مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، ترقد الطفلة مسك أبو مصطفى التي لم يتعدى عمرها أربعة شهور، تئنّ من آلامٍ لا تطيقها جراء إصابتها بالحمى الشوكية، أو ما يُعرف بـ "التهاب السحايا"، في حين يزداد الواقع الصحي قسوةً يومًا بعد آخر.

مضى شهرٌ، وحالة مسك الصحية تسوء أكثر، ولا تلوح في الأفق فرصةً للعلاج خارج قطاع غزة، وما بيد الحيلة إلا أن تنتظر دورها للسفر عبر معبر رفح، بينما المشهد على حاله من النقص الحاد في الأدوية الأساسية، وتدمير المنظومة الصحية برّمتها.

ومن اللافت، تسجيل ارتفاع ملحوظ في مجمع ناصر الطبي لحالات الاشتباه والإصابة المؤكدة بالحمى الشوكية، خاصة بين الأطفال دون سن الخامسة، وفقاً لـ د. أحمد الفرا، مدير قسم الولادة والأطفال في مجمع ناصر الطبي، مُعزياً سبب هذا الارتفاع إلى ظروف النزوح والاكتظاظ داخل المخيمات ومراكز الإيواء، وتلوث المياه، وتراجع مستوى النظافة، وانقطاع برامج الوقاية الصحية، علماً أن معظم الحالات المصابة بالحمى الشوكية تبيَّن أنها كانت تعاني سوءَ التغذية.

"لاحظنا ارتفاعًا متكررًا في درجة حرارة مسك، وعندما أحضرناها إلى المستشفى صدَمنا تشخيص إصابتها بالحمى الشوكية".

تقول رنا أبو مصطفى، عمة الطفلة: "لاحظنا ارتفاعًا متكررًا في درجة حرارة مسك، وعندما أحضرناها إلى المستشفى صدَمنا تشخيص إصابتها بالحمى الشوكية".

وتضيف في حديثها لـ "شبكة نوى": "أخبرَنا الأطباء أن إصابتها تعود إلى سوء التغذية ونقص المناعة اللّذين ينتشران حاليًا بين الأطفال في القطاع".

 أعراضٌ خطرة ظهرت على الطفلة، من تشنجات وصداع وعدم استجابة للضوء أو الحركة، إلا أن ما يثير قلقَ ذويها هو المضاعفات التي ظهرت لاحقًا، أبرزها زيادة حجم الرأس بسبب تجمع الماء، ما أدى إلى ضغطٍ مباشر على الدماغ.

وتدهورَ وضعها، بعد تشنجاتٍ حادة استدعت دخولها إلى العناية المركزة لمدة أسبوعين، ثم ظهر تحسنٌ طفيف ما لبث أن تراجع، وفقاً لرنا.

وتحتاج الطفلة إلى رعايةٍ طبية متقدمة وعملية دقيقة لسحب المياه من الرأس، وهو إجراءٌ غير متوفر داخل مستشفيات القطاع، في وقت يحذر الأطباء من أن استمرار حالتها دون تدخلٍ، قد يؤدي إلى تلف دائم في الدماغ أو الوفاة.

وتناشد العائلة المنظمات الدولية والجهات المختصة بالإسراع إلى إدراج اسم الطفلة على قوائم العلاج في الخارج؛ لإنقاذ حياتها.

عواقب سوء التغذية

على الجانب الآخر من الغرفة المخصصة للأطفال، تجلس أم يحيى صُبح بجوار سريرٍ مهترئ، تراقب ابنها محمد، الذي لم يتجاوز من العمر عاماً وثلاثة شهور، بعينين لا يهدأ فيهما القلق، خوفاً من أن تتفاقم أعراضُ الحمى الشوكية التي أُصيب بها أخيراً.

تروي الأم لــ "شبكة نوى" ما حدث مع صغيرها: "قبل أسبوعين ارتفعت حرارة محمد، وظننا أنها إنفلونزا موسمية، ولم تظهر عليه أعراضٌ أخرى. وعندما توجهنا إلى أقرب نقطة طبية من مكان نزوحنا، قيل لنا إن حالته طبيعية بسبب التسنين".

في خيمة العائلة بمنطقة المواصي، انتظرت الأم التحسن، وإذ بحرارة طفلها ترتفع أكثر مع فقدانه الشهية للطعام، وعلامات الخمول والإرهاق بدت واضحةً.

لا تستطيع أم يحيى أن تتمالك خوفها من أن يصيب ولدها مكروه، تضيف: "وصلنا إلى المستشفى بصعوبة بالغة، وهناك صُدمت حين أخبرني الأطباء أنه مصابٌ بالحمى الشوكية، وعلينا البقاء في قسم تمريض الأطفال".

لليوم السابع على التوالي، تأمل صبح أن يطرأ تحسنٌ على حالة ابنها، وتحاول تأمينَ بعض الأدوية من خارج المستشفى بسبب نقصها، مشيرة إلى أن طفلها عانى من سوء تغذية حاد في فترة المجاعة، دون أن تدرك حينها أن مضاعفاتها قد تصل إلى هذا الحد.

وبين الخوف والحزن، تمضي أيامُها داخل المستشفى ثقيلةً وكأنها سنوات، متشبثةً بأمل العودة بطفلها سالمًا من انعكاسات الحرب وويلاتها.

بيئة مثالية لانتشار الأمراض

بدوره، يرى د. أحمد الفرا، مدير قسم الولادة والأطفال في مجمع ناصر الطبي، أن الحمى الشوكية (التهاب السحايا) تُعد من أخطر الأمراض المعدية التي تصيب الأطفال، نظرًا لسرعة تطورها وقدرتها على التسبب بمضاعفات خطرة مثل تلف الدماغ، وفقدان السمع، والإعاقات العصبية، وقد تصل إلى الوفاة في حال تأخر التشخيص والعلاج.

ويعرّفها بأنها "عدوى تصيب الأغشية المحيطة بالدماغ والنخاع الشوكي، وقد تكون بكتيرية أو فيروسية"، محذراً من انتشارها جراء انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية. وكذلك، يطالب بتدخلٍ عاجل لتوفير العلاج والمستلزمات الطبية، ودعم برامج التغذية والتطعيم، للحد من تفشّي المرض وإنقاذ حياة الأطفال.

وحسب حديث الفرا، فإن ظروف الإخلاءات السابقة والخوف من القصف وتدمير الطرق، حالت دون وصول الأهالي للمراكز الصحية، وبالتالي عدم تلقي الأطفال لبرامج التطعيم الوقائية، فضلاً عن تعطل سلاسل التبريد، وتدمير المراكز الصحية.

 ويعرب عن أسفه لأن "كثيراً من الأطفال لم يحصلوا على الجرعات الأساسية أو المعززة، ما جعلهم عرضةً لأمراض كان من المفترض أن تبقى تحت السيطرة".

وأكد الفرا تسجيل ست حالاتٍ مصابة بالمرض في مجمع ناصر في يناير/ كانون الثاني الفائت، ووفاة طفلة بعد تدهور حالتها الصحية، ما يستدعي تحركًا عاجلاً لمنع انتشار الحمى بين الأطفال، كما يقول.

ويشير إلى عدد من الأعراض التي يجب الانتباه لها، إلى جانب الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، الصداع الحاد، وتيبّس الرقبة والقيء المتكرر، والتشنجات بدرجات متفاوتة. وفي بعض الأحيان فقدان الوعي، وعدم الحساسية للضوء أو الانتباه لأي استشعارٍ خارجي.

 وأبدى قلقه من انتشار المرض بعد انهيارٍ كامل للنظام الصحي بسبب انعكاسات الحرب والحصار، ناهيك عن ظروفٍ مأساوية جعلت البيئة مثالية لانتشار الأمراض المُعدية، خاصةً لدى الأطفال الضعفاء والمكتظين في مراكز النزوح.

"ينبغي التدخل الفوري لتقديم الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة لعلاج الحمى الشوكية، ودعم برامج التغذية والتطعيم للأطفال الذين يعانون نقصَ المناعة".

ويوجه رسالة إلى الأهالي: "من أجل أطفالكم، لا بد من اتخاذ الإجراءات الوقائية، والاعتماد على الأطعمة الصحية والابتعاد عن تناول المعلبات قدر الإمكان"، وفي الوقت ذاته شدد على ضرورة إدخال الأغذية واللحوم الطازجة وغير المجمدة.

وفي ختام حديثه، وضع الفرا على الطاولة المطلبَ الأهم: "ينبغي التدخل الفوري لتقديم الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة لعلاج الحمى الشوكية، ودعم برامج التغذية والتطعيم للأطفال الذين يعانون نقصَ المناعة وسوء التغذية".

كاريكاتـــــير