شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 13 فبراير 2026م23:39 بتوقيت القدس

عبد الرؤوف شعت وأنس غنيم ومحمد قشطة..

ثلاثة نعوش وكاميرا مكسورة.. "حقيقةٌ" اغتيلت بمركبة إغاثة!

26 يناير 2026 - 10:19

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"حضرتُ الوداع ومراسم الجنازات الثلاثة لشهدائنا الصحفيين، كان الوجع كبيرًا، لكنّه انكسر داخلي تمامًا". بهذه الكلمات الثقيلة وصفت الصحفية يافا أبو عكر لحظة الوقوف أمام نعوش الزملاء عبد الرؤوف شعث، ومحمد صلاح قشطة، وأنس غنيم، الذين اغتالتهم طائرات الاحتلال وقتلتهم دفعة واحدة، كأنها أرادت أن تُسكت ثلاثة أصوات بكبسة زر.

لم يكن الوداع مجرّد جنازة عابرة، بل مشيًا بطيئًا خلف أكفان بيضاء، وخطوات مثقلة لا تقوى على الإسراع، وصمتًا يقطعه بكاء مكتوم يعرف تمامًا معنى أن تفقد الحقيقة واحدًا من حرّاسها.

الهواء كان مشبعًا برائحة الموت، والذاكرة عالقة عند لحظة الاستهداف، كأن الزمن توقف هناك، عند ثانيةٍ لم تُغلق بعد.

"والدة الشهيد قشطة أخرجت صورة أطفاله النازحين في مصر، وطلبت أن تُوضع على جثمانه، قائلة إنهم كانوا يريدون نظرة أخيرة، وداعًا أخيرًا. كان يريد أن يراهم، ولو للحظة واحدة".

تتوقف يافا عند مشهد واحد، تختصره بقولها: "أم الشهيد محمد صلاح قشطة لم تكن تبكي كما يبكي الناس، بل كانت تبكي وهي تحاول أن تُقنع قلبها بالبقاء". رفعت يديها إلى السماء، لا لتسأل لماذا، بل لتهمس: "يا رب صبّر قلبي، يا رب ألهمني الصبر والسلوان"، وكأن الدعاء آخر ما تبقى لها من حبل نجاة.

وتتابع الصحفية أن الأم فعلت ما لا يحتمله قلب إنسان. أخرجت صورة أطفاله النازحين في مصر، وطلبت أن تُوضع على جثمانه، قائلة إنهم كانوا يريدون نظرة أخيرة، وداعًا أخيرًا. كان يريد أن يراهم، ولو للحظة واحدة، لكنها سُرقت منهم جميعًا، كما سُرق الأب من أطفاله.

في قطاع غزة، حيث تتعلق الهدنة الهشّة على خيوط رفيعة قابلة للقطع في أي لحظة، وحيث لا يزال الإسعاف يحاول إنقاذ ما تبقّى من أنفاس الناس، يحاول الاحتلال قتل صوت الكاميرا مرة بعد أخرى.

هناك، تحوّل مشهد التوثيق الإنساني إلى مجزرة، حين استهدفت طائرة إسرائيلية مركبة إغاثية تحمل شعار لجنة الإغاثة المصرية، كانت تُستخدم لتوثيق العمل الإنساني ومساعدة النازحين.

الاستهداف أسفر عن استشهاد ثلاثة صحفيين فلسطينيين، حملوا الكاميرا باعتبارها أداة شهادة لا درع نجاة. وصلت جثامينهم إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، بعدما التهم الحريق المركبة وأجسادهم، لتُضاف أسماؤهم إلى قائمة تزيد على 260 صحفيًا فلسطينيًا فقدوا حياتهم منذ بدء الحرب عام 2023، في رقم لا يزال يكبر بلا توقف.

عبد الرؤوف سمير شعث، مصوّر صحفي تعاون مع عدة وسائل إعلام دولية، من بينها وكالة "فرانس برس"، كان قد احتفل بزواجه قبل أسابيع فقط.

ينعاه زملاؤه بوصفه "الضحوك رغم كل الظروف المريرة". يقول زميله يعقوب: "كان يؤمن أن الصورة يمكن أن تكون فعل مقاومة، وأن نقل الحقيقة واجب لا يؤجَّل"، موضحًا أن عدسته ظلت تلاحق التفاصيل الصغيرة وسط الركام، إلى أن توقفت باغتياله.

أما محمد صلاح قشطة، فكان نموذجًا للصحفي الذي لا يفصل المهنة عن الإنسان. وثّق الحرب، ورافق فرق الإغاثة، وشارك في نقل وتوزيع المساعدات. عرفه النازحون قبل أن يعرفه الصحفيون، بابتسامته الدائمة وحرصه على أن يكون الصوت أولًا للضحايا، لا لنفسه.

فيما كان أنس غنيم، يتيم الأب ووحيد أمه، قد وجد في الكاميرا رفيقًا يخفف قسوة الفقد المبكر. كان حاضرًا دائمًا بين النازحين، يوثّق وجوههم لا أنقاضهم فقط، كأنما يحاول أن ينقذ ما تبقّى من ملامح البشر قبل أن يبتلعهم الغياب.

"كأن الفقد يُورث، وكأن الدم لا يُغلق دائرته"، هكذا علّق الصحفي وائل أبو عمر، ناشرًا صورة الشهيد أنس، وأضاف: "استشهد والده وصار يتيمًا بعمر خمسين يومًا، واستشهد اليوم وابنه بعمر خمسين يومًا أيضًا"، جملة قصيرة، لكنها تختصر تاريخًا كاملًا من القهر المتوارث.

في الحقيقة، لا ينفك الاحتلال عن قتل الفلسطينيين هنا، على اختلاف مسمياتهم. يمتد الموت لينال من الأحياء الذين ما زالوا يلتقطون أنفاسهم بين نيران الإبادة المستمرة. لم يقتلوا الصحفي فقط، بل قتلوا عائلته، وطفولته، وحتى لحظات وداعه الأخيرة، على وقع الانفجارات العنيفة وعمليات النسف المتواصلة.

الصحفيون الثلاثة لم يكونوا أرقامًا في بيان عسكري، بل وجوهًا مألوفة في الميدان، وحضورهم كان جزءًا من يوميات الناس. واستشهادهم أعاد إلى الواجهة حقيقة باتت معروفة ومُهملة في آنٍ واحد: أن الصحافة في غزة مهنة محفوفة بالموت، في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ الصحافة المعاصرة.

مؤسسات إعلامية ومنظمات حقوقية عبّرت عن حزنها وغضبها، مؤكدة أن استهداف الصحفيين أثناء قيامهم بمهام إنسانية وإعلامية يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني. وطالب زملاؤهم بتحقيق دولي مستقل وشفاف، وضمان حمايتهم بصفتهم مدنيين.

لكن، بعيدًا عن البيانات والبيانات المضادة، يظل الفقد شخصيًا. ليس لزملاء المهنة وحدهم، بل كجرحٍ مفتوح في ذاكرة غزة الجماعية، حيث لا تنتهي القصة عند لحظة الاستهداف، بل تبدأ عند الجنازة، وتستمر في كل صورة لم تُلتقط، وكل حقيقة غابت مع أصحابها.

كاريكاتـــــير