شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 13 فبراير 2026م23:36 بتوقيت القدس

أن تنجو قلوبهم من الفقد أولها..

صحافيو غزة يعلقون أمنياتهم على بوابة العام الجديد!

31 ديسمبر 2025 - 15:27

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن العام الماضي رقمًا عابرًا في تقويم صحفيي وصحفيات غزة، بل كان زمنًا مكثفًا بالخطر، عامًا مرّ تحت النار، وترك في الأجساد والذاكرة ما لا تمحوه الأيام.

بين القصف والنزوح، وبين الفقد والعمل في قلب الاستهداف، تحوّلت الصحافة من مهنة لنقل الحدث إلى معركة شخصية مفتوحة مع الخوف، والجوع، والانفصال القسري عن العائلة. لم يعد السؤال: كيف نغطي؟ بل كيف ننجو كي نكتب.

"لم تكن التجربة مجرد عمل تحت القصف، بل حياة كاملة أعيد ترتيبها على وقع الخطر، حيث يصبح البقاء نفسه مهمة يومية".

في نهاية عامٍ ثقيل كهذا، لا يجلس الصحفيون/ات لمراجعة إنجازاتهم المهنية، ولا لإحصاء القصص المنشورة، بقدر ما يستعيدون لحظات نجوا فيها بأعجوبة، وأسماء زملاء لم يصلوا معهم إلى نهايته. هنا، لا يُقاس العام بعدد التقارير، بل بعدد المرات التي عادوا فيها أحياء، وبعدد الكراسي الفارغة التي خلّفها الغياب.

يصف الصحفي يعقوب سلامة العامين الماضيين بأنهما الأصعب في حياته المهنية والإنسانية، منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب وحتى اليوم. لم تكن التجربة، كما يقول، مجرد عمل تحت القصف، بل حياة كاملة أعيد ترتيبها على وقع الخطر، حيث يصبح البقاء نفسه مهمة يومية.

لم يتوقف الألم عند حدود الميدان، بل امتد إلى الفراق القسري عن الأهل والعائلة، وهو ما يراه يعقوب التحدي الأكبر على الإطلاق. أن تعمل وأنت لا تعرف إن كانوا بخير، أن تركض خلف الخبر وقلبك معلّق في مكان آخر، تلك معادلة قاسية لا تمنحك خيارًا سهلًا.

في تجمعات الصحفيين/ات النازحين/ات جنوبي القطاع، مرّ يعقوب وزملاؤه بتجارب ثقيلة، كان أقساها استشهاد صحفيين كانوا جزءًا من تفاصيل يومهم: معاذ أبو طه، مريم أبو دقة، ومحمد سلامة. لم يكونوا أسماء في الأخبار، بل وجوهًا اعتاد رؤيتها، وأصواتًا ملأت المكان ذات يوم.

يستعيد كيف كانوا يجتمعون يوميًا، كيف كان الروتين البسيط يمنحهم شعورًا زائفًا بالاستقرار، وكيف تحوّل فجأة إلى حلم مستحيل. يقول إنه يتمنى فقط أن يعود الزمن إلى تلك الظروف القاسية ذاتها، لكن من دون هذا الفقد. أمنية بسيطة، لكنها مستحيلة.

"أتمنى أن تعود غزة كما كانت، ولو بنصف حياتها البسيطة السابقة. أن تبدأ أولى خطوات الإعمار ولو ببطء، إلى مدينة أنهكها الموت".

الحرب، كما يصفها، انتزعت منهم أصدقاء كانوا يخففون وطأة النزوح والعمل الشاق. وحتى اليوم، كلما مرّ أمام مجمع ناصر الطبي، يتخيلهم هناك، في الزوايا التي وقفوا فيها معًا، ينتظرونه لاجتماع عابر، أو لوجبة بسيطة من "أكلات الحرب"، أو رغيف خبز يسدّ الجوع. المكان لم يعد مجرد مبنى، بل ذاكرة مفتوحة على الغياب.

أما أمنيته للعام الجديد، فهي أن تعود غزة كما كانت، ولو بنصف حياتها البسيطة السابقة. أن تبدأ أولى خطوات الإعمار، لأن كل آماله باتت معلّقة بانتهاء الحرب، وعودة الحياة، ولو ببطء، إلى مدينة أنهكها الموت.

بالنسبة للصحفية براء لافي، كان أصعب ما في عامي الحرب هو الانقطاع عن العائلة، واتخاذ قرار النزول إلى الميدان بعيدًا عن والدتها، في ظل انقطاع الإرسال وصعوبة التواصل. تصف تلك اللحظات بأنها من أقسى القرارات التي اتخذتها في حياتها، قرارًا بين القلب والمهنة، بين الخوف والواجب.

خلال الحرب، حوصرت براء مع عدد من الصحفيين/ات داخل مجمع ناصر الطبي، بين نيران الجيش الإسرائيلي، فعاشت أيامها وسط تردد وخوف وحيرة: هل تطمئن على العائلة أم تركز على إرسال المادة الصحفية؟ سؤال يتكرر بلا إجابة واضحة، وبلا وقت للتفكير.

تتحدث عن صعودهم إلى الطوابق العليا بحثًا عن إشارة، تحت أعين الجنود الذين لم يعترفوا يومًا بحقوق الصحفيين، بل وضعوهم في دائرة الاستهداف المباشر. في تلك اللحظات، لم يكن الخطر احتمالًا، بل واقعًا حاضرًا، يُرى ويُسمع ويُحس.

لكن الخسارة الأقسى بالنسبة لها كانت فقدان زميلتها مريم أبو دقة. تخبرنا: لم تكن مريم مجرد زميلة عمل، بل صديقة قريبة، وأخت شاركتها تفاصيل الجوع والخوف والمرض. تقاسمتا اللقمة وكوب القهوة، ومع رحيلها، تصف براء الفقد بأنه سهم أصاب قلبها في مقتل. بعض الخسارات لا تُروى، بل تُحمل بصمت.

أمنيتها للعام الجديد أن تعيش غزة بأمان، وأن يعود الأمل لشعب تحدّى كل شيء من أجل الحياة. أن يخفف الصبر والخير من وجع قلوب أهلها، وأن يأتي يوم لا تُضطر فيه الصحفية للاختيار بين سلامتها وإيصال الحقيقة.

كان محمد يسير لمسافات طويلة بسبب انقطاع المواصلات، ليصل إلى المقهى، ثم يفاجأ بانقطاع الكهرباء، فينتظر ساعات قبل أن يضيع كل شيء. "التعب هنا لا يُكافأ، بل يُهدر" يقول.

أما الصحفي محمد أبو دون، فيصف عام 2025م بأنه من أصعب الأعوام التي مرّت عليه، بسبب الهرب المستمر، وانهيار الهدنة التي لم تدم. كل توقف مؤقت عن القصف كان يمنحهم وهمًا بالاستقرار، سرعان ما يتبدد مع أول غارة.

خلال فترات الهدنة، تمكّن من العمل بحرية محدودة، لكن مع عودة الحرب اضطر إلى التوقف مرارًا، بعد إغلاق معظم مساحات العمل والمقاهي التي توفر الإنترنت في غزة. وعندما كان يعثر أخيرًا على مكان للعمل، كان صاحب المقهى هو من يحدد ساعات عمله، وفق توفر الكهرباء والإنترنت، لا وفق حاجة الصحفي أو إلحاح الخبر.

يوضح محمد أن عمله يعتمد أساسًا على الحاسوب والكهرباء والإنترنت، وهي أدوات تحولت إلى رفاهية نادرة بفعل التدمير. كصحفي مستقل، عانى كثيرًا؛ كان يسير لمسافات طويلة بسبب انقطاع المواصلات، ليصل إلى المقهى، ثم يفاجأ بانقطاع الكهرباء، فينتظر ساعات قبل أن يضيع كل شيء. "التعب هنا لا يُكافأ، بل يُهدر".

يؤكد أن النزوح إلى دير البلح كان أصعب عليه من صموده في شمال القطاع. هناك، عمل في مكان لا يتعدى كونه رملًا وشادرًا، بكهرباء وإنترنت سيئين، ومع ذلك حاول إيصال رسالته من قلب المعاناة. أن تعمل في ظروف لا تصلح للحياة، تلك معركة أخرى لا تُرى.

أمنية محمد للعام الجديد أن تتوفر إمكانيات أفضل تتيح له العمل بسلام، وأن يرى أي ملامح حقيقية لإعادة الإعمار، وأن يأتي يوم يغطّي فيه أخبارًا إيجابية، بعيدًا عن الموت.

بعد الهدنة في أكتوبر وعودته، تحسنت الإمكانيات قليلًا، فعاد إلى بقايا منزله المدمر، محاولًا مواصلة العمل يومًا بعد يوم، كمن يرمم ما تبقى من حياته قطعةً قطعة.

أمنيته للعام الجديد أن تتوفر إمكانيات أفضل تتيح له العمل بسلام، وأن يرى أي ملامح حقيقية لإعادة الإعمار، وإدخال المساعدات، وأن يأتي يوم يغطّي فيه أخبارًا إيجابية، بعيدًا عن الموت، وعن أقسى مأساة عاشها الفلسطينيون في تاريخهم الحديث.

وفي الخلفية، تبقى الأرقام شاهدة على حجم الفقد. فبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي، استُشهد 255 صحفيًا وصحفية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلال حرب الإبادة على قطاع غزة. رقم ثقيل، لا يُختصر في إحصائية، بل في حكايات قُطعت فجأة، وأصوات غابت، وحقيقة دُفع ثمنها دمًا.

كاريكاتـــــير